ابن سبعين

108

رسائل ابن سبعين

بالإيجاد والتجديد والإبقاء ، ولا يفارقه ولا يغفل عن خلقه طرفة عين ، فيحصل للمسترشد بذلك العلم بخالقه ، وقلة الاغتباط بالمحدث ، والميل إلى القديم الأزلي ، ومحبته ويصرف همّته إليه ، ويتلذذ بعبادته وطاعته ومحبته ، ويتأنس بمنادمته ومناجاته في الضمير ، ويشاهد كلمته وقدرته في العالم المطلق ؛ فيذهل بذلك عن اللذات العرضية المتبدلة ، وترجع لذته جوهرية وروحانية ثابتة ، ويرتفع عنه خوف المحدث ورجاؤه ، إذ هو في الافتقار والانفعال والحدوث سواء معه ، ويتبين له أن المثل المنفعل لا يفعل ؛ فيزول من قلبه واعتقاده ربانية المخلوقات ، ويخرج من ذلك الكون ، ويتحرر ويعتبر بملاحظة فاعله ومشاهدته في الكون ، وفي الحال ، وفي النوم ، وينال بذلك سعادته ، فاعلم ذلك . وبالجملة قوله : ما سرورك إن صدر ، إلا وساء كدر أراد بذلك التنبيه على تبدل السرور العاجل ، وقلة ثبوته ، وأن يظهر للمسترشد خساسة الدنيا ، وإن لذتها يشترك الإنسان فيها مع الحيوان غير العاقل ، وإنها ليست من الخيرات المطلوبة عند السعداء ، فيصرف همته للخيرات الثلاث أعني : الذي يراد لذاته لا لغيره ، والذي يراد لذاته ولغيره ، والذي يراد لغيره لا لذاته . وهذه الخيرات ذكرها سيدنا رضي اللّه عنه في « الرسالة الفقيرية » ، وفي « بدّ العارف » ، وفي « نتيجة الحكم » . وسرور السعيد لا يكون بالدنيا ، ولا بزهرتها ، ولا يعتبر إلا نعمة اللّه الموصلة إلى رضوانه وكدره بضد ذلك ، فإذن السرور المعتبر عند السعداء هو طاعة اللّه عند العبد ، وظهورها على محله ظاهرا وباطنا ، والكدر مخالفته . ونقول : الورد محبة اللّه تعالى ، إذ هي سبب القرب منه ، والسرور ما يحصل من اللذة عند تحصيل المقامات المقرّبة إليه ، والكدر : هو الفترة التي تضعف محبته ، والكدر الذي يمنع من التوجه إليه . ونقول : الورد : هو التوجه إلى اللّه بالصدق والإخلاص ، والسرور : هو اللذة الحاصلة صحبة الأحوال الكاشفة ، والخواطر الصادقة ، والبواده والهواجس ، والعلوم اللدنية والإلهامية وما أشبه ذلك ، والكدر : هو ذهاب الأحوال وما ذكر ، وانصراف المتوجه إلى حالته الأولى ورؤية الإحساس والأغيار . ونقول : الورد : هو التخلق بالاسم ، والسرور : هو مشاهدة المسمى ، والكدر : مجاهدة النفس عند الشروع في تحصيل ذلك ، وبعد التحصيل في حفظ الاسم . ونقول : الورد : مقام المراقبة ، والسرور : حفظ الأحوال ، والكدر : ضبط القوانين ،