ابن سبعين
53
بد العارف
ينطلق ولا يتوجه الا على العاقل وإذا حقق وخلصت فيه العبارة . فيقال هو سؤال لا يطلق الا على من له علم وفهم وتقدير . فان الصبي الصغير قد يخبر ويعسر عليه الجواب على حقيقته وهو من جنس العقلاء وحيوان ناطق . فإذا سئلت به أو سألت به ، فاعلم أنه يطلب موطن الشيء وأوليته وأصله أو كيفيته وحرفته . كما تقول : من زيد فيقال المكي إذا نسب إلى بلده ، والقرشي إلى نسبه والكاتب [ 10 أ ] إلى حرفته . وهو يطلق على الحق سبحانه ، هو ومطلب هل ، فإنك تقول : من هو القديم ؟ فيقال لك : الله الذي لا سبب لوجوده . وتقول هل هو موجود أو معدوم ؟ فيقال لك قد قام الدليل على وجوده ، ووجوده بكذا وكذا . وغيرهما من المطالب لا تطلق عليه الا بالوجه الذي ذكرته لك . على أن الامر لم يمش في ذلك شافيا . أو ما ترى موسى صلى الله على نبينا وعليه ، لما سأله فرعون وما رب العالمين « 1 » ؟ أعطاه جواب من فسخر منه فرعون ولم يقبله منه . وقال لمن حوله ، الا تسعون نسأله بما فيعطيني جواب من وكان ذلك مبلغه من العلم ، وكل اناء بالذي فيه يرشح . ولما كان موسى بمرآته صقيلة لقبول الصور العقلية فلا يرى الا حقا ولا يسمع الا من حق . سأله فرعون ، لم يلتفت لجهله ولا أبصره من حيث هو وانما وقف وسمع من الحق فكان جوابه له علميا ، ومما يحتاج اليه فرعون من موسى ان يعلمه كيف يسأل . ولأجل ذلك كان جوابه لا ينطبق على استفهام فرعون ولا يتنزل الا على البرهان من حيث هو ووافق الحق في نفسه وجاوبه وكلمه بصورة الصدق التي يرى أن يبينها للخلق . وكذلك نبينا محمد ( ص ) لما سأله كفار قريش عن كيفية الله فغضب لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى انزل عليه الوحي وأمر ان يقرأ « قل هو الله أحد » « 2 » ولم يلتفت لمحالهم . وكذلك البرهان لا يتكلم به الا مع
--> ( 1 ) - إشارة إلى الآية 23 من سورة الشعراء . ( 2 ) - سورة 112 - آية 1 .