ابن سبعين

15

بد العارف

فأساء بذلك إلى الاصالة التي حاول ان يثبتها بمحاولة رفعه التصوف إلى مستوى الفلسفة ، أو بناء التصوف على أسس الفلسفة . هذا يقودنا للكلام على أسلوب ابن سبعين . فإذا كانت صفة الانتقاء مما يميز فكره ، فهي بذلك أيضا اثرت في أسلوبه وجعلته يزيد غموضا على غموض ، ان في سرعة الاستطراد ، أو في عدم صحة الانتقاء وانطباقه الكامل على ما يريد . مما دعاه غالبا للتعبير بطريقة الرمز أو اختيار الغموض ورده إلى اشكال محددة ، غالبا دوائر كمجال للتعبير عما يريد ، وربما كانت الصعوبة كذلك كامنة في كتابة الكتاب على عجل كما يظهر من تعداد الاعتذارات التي يقدمها ابن سبعين لعدم تطويله ، ولبتره أفكارا كان يريد افشاءها . هذه الرموز والاعتذارات لا نجد لها غالبا ما يبررها سوى ادعاء ابن سبعين الاطلاع على معان مودعة في الحروف ، كحروف أوائل السور مثلا 16 ، أو ادعاءه ان معلومات المحقق سر يقذفه الله من وراء الأفلاك ، أو ان علمه من جملة الواردات الإلهية التي لا ترد الا على الأولياء المحققين والمقربين منه تعالى . والصعوبة هذه تطالعنا مع كل مرة يحاول فيها ابن سبعين تمييز آرائه عن آراء الغير ، أو تقديم فكرة على أنها الرأي الذي يريد ان ينشره أو يثبته أو يطلع عليه مريده . وقد أشار عدد من معاصري ابن سبعين بالذات لمثل هذه الصعوبة ، فقال بعضهم 17 : « رأيت ابن سبعين بمكة يتكلم بكلام تعقل مفرداته ولا تعقل جمله » والصعوبة الأخرى التي تطالعنا هي استعمال ضمير المتكلم المفرد عادة ثم الانتقال من ذلك فجأة إلى ضمير المتكلم الجمع . إذا كنا إلى الآن قد ألممنا بقسم من خيوط فلسفة ابن سبعين ، وطريقته في مزج ما هو الهي بما هو دنيوي ليسهل عليه طبعا وصل الانسان بالله ، فلا يعني ذلك الالمام بكل فلسفته ، والمجال لا يتسع هنا كذلك