ابن سبعين
16
بد العارف
نعرضها . وما أوردناه إلى الآن من أفكار ليس الا تحليلا موجزا لبعض ما في بد العارف . أما فلسفة ابن سبعين العملية ، بالأصح الطريقة العملية التي يتدرج عليها المريدون في علوم التصوف ، أو علم السفر كما يسميه ، فلم يعرضها في بد العارف ولا غيرها الا في رسائله التي نشرها عبد الرحمن بدوي . ولا نريد في هذه العجالة عرضها ، فهي لا تختلف من حيث الجوهر عما قدمه سائر المتصوفة . انما يهمني في هذا القسم الأخير من هذه المقدمة ان أشير إلى مصادر فلسفة ابن سبعين . علني بذلك أوضح نقطة ما تزال إلى الآن غامضة في تاريخ التصوف الاسلامي . ينتمي ابن سبعين كما ذكرنا ، وبشهادة من أرخ للتصوف وللفكر الاسلامي عامة إلى المدرسة التي اعتبرت الوجود في مجمله ، ما هو الهي وما هو دنيوي ، ليس الا وحدة لا فصل فيها لعالم عن عالم آخر . بل إن سلسلة الموجودات ليست الا مراتب اعتبارية لا حقيقية لها . إذ ان حقيقتها فقط بمن أوجدها . ولا حقيقة لها بذاتها . وقد أشار ابن خلدون لهذه الافكار في أكثر من مجال ، سواء في المقدمة ، ( راجع الفصل الخاص بالتصوف ) أو في كتابه شفاء السائل بتهذيب المسائل ، كذلك أرخ لسان الدين ابن الخطيب في كتابه روضة التعريف بالحسب الشريف لهذا التصوف ، وتابع ابن سبعين وسواه في ما أوردوا من أفكار . وما يهمنا في هذا المجال الا ابراز الطريق الذي وصلت منه هذه الافكار إلى ابن سبعين 18 . منذ القرن الرابع الهجري بدأت تتكون في الأندلس مدرسة صوفية ذات صبغة اشراقية واضحة ، وهي مدرسة ابن مسرة ، التي انصبغت إلى جانب ذلك بطابع كلامي وفلسفي . ثم ما لبث تصوف ابن مسرة ان صار التصوف السائد في الأندلس وذلك بفضل اعتناق مشاهير التصوف لأفكار ابن مسرة . فكان ان اشتهرت بعض المراكز في الأندلس بهذا الطابع الصوفي الغارق في حلوليته ، الملئ بالاسرار والمسيطر رغم ذلك على