ابن سبعين
148
بد العارف
وتعالى لأنه أعلى الأشياء من الخيرات . والعقل هو أول مبدع ، وهو أكثر تشبها بالاله تعالى فمن أجل ذلك يدبر الأشياء التي تحته . فان الله عز وجل وعظم يتقدم العقل بالتدبير ويدبر الأشياء تدبيرا أرفع وأعلى . وذلك أنه لا يفوق تدبيره شيئا من الأشياء البتة ، لأنه يريد ان ينيل خيره جميع الأشياء كلها . ولا كل شيء يشتاق إلى العقل ولا يحرص على نيله حرصا فائقا . ولا يشك في ذلك عاقل . وأيضا فقد صح بالبرهان ان السبب الأول موجود في الأشياء كلها على حالة واحدة ، وليست الأشياء كلها موجودة في الأول على حالة واحدة . وذلك أنه لما كان الأول موجودا في الأشياء كلها فان كل واحد من الأشياء يقبله على نحو قوته . وذلك ان من الأشياء ما يقبل السبب الأول قبولا وحدانيا . ومنها ما يقبله قبولا متكثرا . ومنها ما يقبله قبولا دهريا . ومنها ما يقبله قبولا زمانيا . ومنها ما يقبله قبولا روحانيا . ومنها ما يقبله قبولا جرميا . والكلام في المبادئ وكيف ترتبت وكيف تقبله طويل ولا يحمله هذا الكتاب . وانما أردت ان أعلمك بحروف المقرب ، وهذه الحروف قد ذكرتها فاسمع تركيبها . كل جوهر داثر غير دائم اما ان يكون مركبا واما ان يكون محمولا على شيء آخر ، من أجل ان الجوهر اما ان يكون منتقضا إلى الأشياء التي منها تكون فيكون مركبا منها ، واما ان يكون محتاجا في ثباته وقوامه إلى حامل . فإذا فارق حامله فسد ودثر فإن لم يكن الجوهر مركبا ولا محمولا كان مبسوطا وكان دائما لا يدثر ولا ينتقض البتة . فهذا التركيب قد فرغ منه فاسمع الكلام وافهمه بحسب نصه كما تفهم الإشارة مع قرينة الحال ولا تسمعه فتنزل مفهومه على عبارته . وانما تسمعه بالتوحيد وتفهمه بالتمهيد وترد جوابه بالسجود ، فاعلم أن الدلالة تتصل وتنفصل ، والبداية تخرج وتدرك ، والنهاية تعلم وتعلم ، والهداية تحسن وتفعل . والسعادة تنقل وترشد . والواحد ينافي ذلك [ 40 ب ] ولا يقبله ومحال عليه ذلك . فمن طلبه بشيء من ذلك فقد