ابن سبعين
133
بد العارف
ثم يبدأ من هنا يتكلم معه ، ويقول له الذي سأله ، فغاية الناس عنده أمثلة لا حقيقة لها وهم عندي في العالم الأول الروحاني منه والجسماني . والصوفي إذا سأله عن ماهية الروح وهل فعل في زمان أو تقدمه زمان ، يقول له المقرب : كل جوهر واقع في بعض حالاته تحت الدهر وواقع في بعض حالاته تحت الزمان فذلك الجوهر هوية وكون معا . وذلك ان الشيء الواقع تحت الدهر هو هوية حقا ، وكل شيء هو واقع تحت الزمان هو كون حقا . فإن كان هذا هكذا وكان الشيء الواحد الواقع تحت الدهر والزمان هوية وكونا معا كان هوية وكونا لا بجهة واحدة بل بجهة وجهة . وكل مكون بجوهره تحت الزمان متعلق الجوهر بالهوية المحضة التي هي علة الدوام وعلة الأشياء الدائمة كلها والأشياء الدائرة ، وهذا هو الف ب ت عند المقرب . ثم يقدم له مقدمة ثانية تقوم مقام تركيب الحروف في الخطابة . وبعد ذلك يقول له الأول الحق فوق كل اسم تسمى به لأنه لا يليق به النقص ولا التمام . لان الناقص غير تام ولا يقدر ان يفعل فعلا تاما إذا كان ناقصا . والتام عندنا وان كان مكتفيا بنفسه فإنه لا يقدر على ابداع شيء آخر ولا على أن يفيض على نفسه شيئا البتة . وان كان هذا هكذا عندنا فقلنا إن الحق ليس بناقص ولا تام فقط بل هو فوق التام . وهو مبدع الأشياء ومفيض الخيرات عليها فيضانا تاما لأنه تام وخيره لا نهاية له . ولا ابعاد في الخير الأول إذ يملأ العوالم كلها خيرات الا ان كل عالم انما يقبل من ذلك الخير على نحو قوته . فقد بان وصح ان الحق فوق كل اسم تسمى به وأعلى منه وأرفع . فيقول له الصوفي لم يسأل عن هذا فيزيده لذلك ما هو أظلم وأصعب . وقد يقول له الأول مستغن بنفسه وهو الغني الأكبر . والدليل على ذلك وحدانيته ، لأنها ليست وحدانية مثبوتة فيه بل هي وحدانية محضة لأنها بسيطة [ 35 ب ] في غاية البسط . فان أراد مريد ان يعلم أن الحق تعالى هو الغني فليلق وهمه على الأشياء المركبة وليفحص عنها فحصا مستقصى .