ابن سبعين
10
بد العارف
مع ذلك يؤلف كتاب بد العارف كتابا فريدا في مجاله . حاول ابن سبعين فيه أن يدخل التصوف من باب الفلسفة ، مستعملا لذلك عرض تاريخ الفكر الإسلامي كطريق يخلص منه لتبيان ان حقيقة هذه العلوم . الفقه - الكلام والفلسفة ليست الا خطوة في طريق التحقيق . فعلوم المحقق اي الصوفي الذي بلغ درجة الكمال ، خلاصة العلوم الأخرى وهي العلوم التي يجب ان تتبع وان يقتدى بها إذا أراد المتصوف خلاصا معينا . من هذه الزاوية يمكننا اعتبار نقد ابن سبعين لهؤلاء نقدا يؤدي حتما لاعتبار علومهم أقل قيمة ، وأقل أثرا في اكتمال شخصية المتصوف وفي تطوير علومه . انما ما يمكن لنا ان نعيبه على ابن سبعين في نقده ، هو اعتماده فقط بعض المقتطفات ، أو على الأصح لحظات من فكر هؤلاء وهي اللمحات التي أوجزها من مفاهيمهم لدى تعرضه لمفاهيم يريد هو ان يشرحها وان يقرها . فتجاهل بذلك طبعا طريقة تقديم هؤلاء المفكرين لنظرياتهم والأسباب التي دعتهم لذلك ، هذا رغم إشارات ابن سبعين أحيانا إلى مصادر علومهم وكتبهم . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى كتاب بد العارف ليس نقدا وحسب بل يهدف أولا إلى اثبات فكرة ، والنقد جزء من هذا الاثبات ، أو الوجه الآخر لهذا الاثبات . والفكرة فيه واضحة وان عالجها ابن سبعين بتقطع . وهي تدور حول معنى الوصول الصوفي وكيفية ذلك . اي شرح حقيقة التصوف باعتباره علاقة تقطع معها العلائق والوسائط بين العبد وخالقه ، كما تقطع المسافة بينهما فلا يكون هناك ما يفصلهما . وبذلك يصبح النقد المشار اليه آنفا نقدا لفكرة غير مطروحة أصلا في فكر هؤلاء . فكيف يتصرف الصوفي البالغ درجة التحقيق كي يصل إلى ربه ؟ يعرض بد العارف لذلك جوابا من شقين . يتناول في شقه الأول تمهيدا لنظرية المعرفة ، أو بالأصح وصفا لكيفية الوصول إلى العلم