علي بن عبد الله النميري ( أبو الحسن الششتري )

61

ديوان أبي الحسن الششتري

ولكنّها راح تقادم عهدها * فما وصفت بعد ولا عرفت قبلا أقرّ بأن اللّه لا ربّ غيره * وأنّ رسول اللّه أفضلهم رسلا عليه سلام اللّه ما لاح بارق * وما دام ذكر اللّه بين الورى يتلى « 1 »

--> ( 1 ) - هذه القصيدة من أبدع ما أنشده أبو الحسن الششتري في الخمرة الإلهية ، وهي من عيون شعره ، تفوح بعبق النشوة العظمى والتلذذ بما يحصل للمتصوف المتحقق من معارف . إن القصيدة مليئة بالرموز الخمرية على الشكل العباسي النواسي ، والرموز المسيحية بما فيها من وصف للأديرة والرهبان والشماميس والصلبان . . . مما يدل على معرفة الششتري بالكنائس التي رآها خلال جولاته بالأماكن التي دخلها الإسلام بالأندلس ، إذ يقدم وصفا دقيقا لها . ففي هذه القصيدة التي تتشعب الحقائق وتتداخل الإشارات الصوفية ، يدير الششتري حوارا بين العارف المحقق وبين راهب الدير ، حول سمو رفعة خمرة القسّيس وقيمة الخرقة ( المرقعة التي حللنا معناها ووقفنا على قيمتها في قصيدة سابقة ) وما تحتويه من كنوز حقيقية ، خالقا بذلك بيئة رفيعة لشرب الخمر في الدير ، ويصبح فيها السكير عنده هو الصوفي الفقير المتجرد الذي يملك كنزا خفيا في خرقته الذي يريد مقايضتها بخمر قسيس الدير . إن السمو في الخرقة والخمر معا هو الروح الذي هو من أمر اللّه أو الكنز الخفي الذي ظهر متخفيا تحت الخرقة . إن رحلة السكر هذه التي يصفها لنا الششتري ، رحلة إسراء في كل مراحلها جمال ومغريات ، وعلى السالك إذا رغب في الوصول ألّا يأسره ما يرى من جمال ، ولا يلتفت إليه ويواصل ذكره واجتهاده فيصل إلى مراتب العرفان العظمى ، وتتحقق له المشيخة الفعلية . ( انظر كتاب : « الخيال والشعر في تصوف الأندلس » د . سليمان العطار ، ص 330 وما بعدها ) . وقد أثارت هذه القصيدة على ما يبدو هجوما عنيفا على الششتري مما دعا أحد تلامذته غير الزمنين ، وهو عبد الغني النابلسي : ( متصوف سني حنفي مشهور من سوريا ، توفي 1143 ه ) للرد على خصوم الششتري من خلال تأليفه رسالة حاول من خلالها شرح أبيات من قصيدة الششتري الخمرية وتأويل معانيها ، وتلمسه رموزا عرفانية لها ، حتى يرد عنه ما اتهم به من طرف الفقهاء من زندقة ومروق عن الدين ، مبينا أن كلّا من الصوفي العارف والراهب ، يحاول إقناع صاحبه برمزه العرفاني ، فيقول القسيس الذي يرمز إلى الصوفي الوارث لمقام عيسى من