العز بن عبد السلام

53

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز )

تناله يد صاحبه ولا يد غيره ، ولم يتعلق بمال ولا جاه ولا ترف ولا نعيم ، فكان تجرده من أوهام القوة لا تغلب ، وانتزع خوف الدنيا من قلبه فعمرته الروح السماوية التي تخيف كل شئ ولا تخاف ، وكان بهذه الروح كأنه تحويل وتبديل في طباع الناس ، حتى قال الملك الظاهر بيبرس وقد رأى كثرة الخلق في جنازته حين مرت تحت القلعة : الآن استقر أمرى في الملك ، فلو أن هذا الشيخ دعا الناس إلى الخروج علىّ لا ننتزع منى المملكة . وكان سلطان في دمشق الصالح إسماعيل ، فاستنجد بالإفرنج على الملك نجم الدين أيوب سلطان مصر ، فغضب الشيخ وأسقط اسم الصالح من الخطبة وخرج مهاجرا ، فأتبعه الصالح بعض خواصه يتلطف به ويقول له : ما بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وأكثر مما كنت عليه إلا أن تنخشع للسلطان وتقبل يده . فقال له الشيخ : يا مسكين أنا لا أرضى أن يقبل السلطان يدي أنتم في واد وأنا في واد . ثم قدم إلى مصر في سنة 639 ، فأقبل عليه السلطان نجم الدين أيوب وتحفى به وولاه خطابة مصر وقضاءها ، وكان أيوب ملكا شديد البأس ، لا يجسر أحد أن يخاطبه إلا مجيبا ، ولا يتكلم أحد بحضرته ابتداء ، وقد جمع من المماليك الترك ما لم يجتمع مثله لغيره من أهل بيته ، حتى كان أكثر أمراء عسكره منهم ، وهم معروفون بالخشونة والبأس والفظاظة والاستهانة بكل أمر ، فلما كان يوم العيد صعد إليه الشيخ وهو يعرض الجند ويظهر ملكه وسطوته والأمراء يقبلون الأرض بين يديه : فناداه الشيخ بأعلى صوته ليسمع هذا الملأ العظيم : يا أيوب . ثم أمره بابطال منكر انتهى إلى علمه في حانة تباع فيها الخمر ، فرسم السلطان لوقته بإبطال الحانة واعتذر إليه .