العز بن عبد السلام
54
زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز )
فحدثني الباجي قال : سألت الشيخ بعد رجوعه من القلعة وقد شاع الخبر فقلت : يا سيدي ، كيف كانت الحال ؟ . قال : يا بنى رأيته في تلك العظمة فخشيت على نفسه أن يدخلها الغرور فتبطره فكان ما باديته به . قلت : أما خفته ؟ قال : يا بنى ، استحضرت هيبة اللّه تعالى فكان السلطان أمامى كالقط ولو أن حاجة من الدنيا في نفسي لرأيته الدنيا كلها : بيد أنى نظرت بالآخرة فامتدت عيني فيه إلى غير المنظور للناس ، فلا عظمة ولا سلطان ولا بقاء ولا دنيا ؛ بل هو لا شئ في صورة شئ . نحن يا ولدى مع هؤلاء كالمعنى الذي يصحح معنى آخر ، فإذا أمرناهم فالذي يأمرهم فينا هو الشرع لا الإنسان ، وهم قوم يرون لأنفسهم الحق في إسكات الكلمة الصحيحة أو طمسها أو تحريفها ، فما بدّ أن يقابلوا من العلماء والصالحين بمن يرون لأنفسهم الحق في إنطاق هذه الكلمة وبيانها وتوضيحها فإذا كان ذلك فههنا المعنى بإزاء المعنى ، فلا خوف ولا مبالاة ولا شأن للحياة والموت . وإنما الشر كل الشر أن يتقدم إليهم العالم لحظوظ نفسه ومنافعها فيكون باطلا مزورا في صورة الحق ، وههنا تكون الذات مع الذات ، فيخشع الضعف أمام القوة ، وبذل الفقر بين يدي الغنى ، وترجو الحياة لنفسها وتخشى على نفسها ، فإذا العالم من السلطان كالخشبة البالية النخرة حاولت أن تقارع السيف .