محمد بن أبي بكر الرازي

68

حدائق الحقائق

وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إيّاكم ومجالسة الموتى » . فقيل : يا رسول اللّه من الموتى ؟ فقال : « الأغنياء » « 1 » . واعلم أن الإنسان متى كان صابرا على الفقر ، شاكرا للّه على اختياره له ، صائنا لدينه ، كاتما لفقره ، مستغنيا بربه في فقره ، لا يغنيه شئ غيره ، خائفا على زوال نعمة الفقر كما يخاف الغنىّ على زوال نعمة الغنى « 2 » فذلك هو الفقير الصادق ، وهو المراد بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام » « 3 » وهو الفقر الذي افتخر به النبي صلى اللّه عليه وسلم . [ وحكى « 4 » أن رجلا أتى « إبراهيم بن أدهم » « 5 » بعشرة آلاف درهم فردّها ، وقال : تريد أن تمحو اسمى من ديوان الفقراء بهذا المقدار . وقال بعضهم : كان بمكة فقير عليه ثياب رثة لا يخالط الفقراء ، ولا يجالسهم وعليه سماء أهل المعرفة فوقعت يمحبته في قلبي فحملت إليه مائة درهم وقلت له : هذه من وجه حلّ فاصرفها في بعض أمورك . فنظر إلىّ شزرا ثم قال : إني اشتريت هذه الجلسة مع اللّه على الفراغ بسبعين ألف دينار غير الضّياع والأملاك فكيف أبيعها بمائة درهم . وقيل : ولو لم يكن للفقراء فضيلة إلا إرادته سعة حال المسلمين ورخص أسعارهم لكفاه « 6 » ، ذلك لأنه يحتاج إلى الشراء ، والغنى يحتاج إلى البيع ، وهذا لعوام الفقراء فكيف لخواصّهم . ورأى بعضهم فقيرا عليه مسح خرق فقال له على وجه المطايبة : بكم اشتريت هذا ؟ . فقال : بالدنيا ، وطلب منى بالآخرة فلم أبعه . وكان « أبو بكر الورّاق » يقول « 7 » : طوبى للفقراء ، لا خراج عليهم في الدنيا ، ولا حساب في الآخرة . وقيل لبعضهم : أيهما أفضل : الافتقار إلى اللّه أو الاستغناء به .

--> ( 1 ) حديث : « إياكم ومجالسة الموتى » رواه الترمذي وضعّفه ، والحاكم ، وصحح إسناده من حديث عائشة . ( 2 ) في ( ج ) : ( الغنا ) . ( 3 ) تقدم تخريجه . ( 4 ) من هنا ما بين المعقوفتين سقط من ( ج ) واستدرك بالهامش بخط مغاير . ( 5 ) تقدمت ترجمته . ( 6 ) في ( د ) : ( لكفى ) . ( 7 ) تقدمت ترجمته .