محمد بن أبي بكر الرازي
32
حدائق الحقائق
الكذابين ، ومن تاب ثم لم ينقض توبته فهو من السعداء ، وإن نقضها مرة أو مرتين ثم جددها ، فإنه يرجى له أيضا من الثبات عليها ، فإن لكل أجل كتابا . وحكى عن « أبى حفص الحداد » « 1 » أنه قال : تركت الضيعة كذا مرّة ، ثم عدت إليها ، ثم تركتها ، ولم أعد إليها . وقال الشيخ « أبو علي الدقاق » « 2 » رحمه اللّه عليه : تاب بعض المريدين ثم ترك التوبة ، ففكر يوما أنه لو عاد إلى التوبة هل يقبل منه ذلك أو لا يقبل ؟ فهتف به هاتف : يا فلان ، أطعتنا نشكرناك ، ثم تركتنا فأمهلناك ، ولو عدت إلينا قبلناك . فعاد المريد إلى التوبة ، وبلغ المقصود . وأول ما يبدأ به التائب بعد التوبة : * إسقاط مظالم العباد وحقوقهم عن ذمته بالإبراء ، أو بالأداء ، فإن عجز عن ذلك يكون أبدا عازما على إيصال ذلك الحق إلى مستحقيه ، متى قدر عليه . ولا يزال يدعو لصاحب الحق إلى أن يوفيه حقه أو يبرئه منه صاحبه ، ثم يلتزم « 3 » الاعتزال عن الناس والانقطاع إلى اللّه ، ليتفرغ لقضاء حقوق اللّه الفائتة ، والندم والبكاء على ما فرّط في جنب اللّه ، وعلى ما ضيّع فيه شبابه وصحته .
--> ( 1 ) ( أبو حفص الحداد ) النيسابوري ، واسمه عمرو بن سلمة ، وكان من أهل قرية يقال لها : كورداباذ ، من قرى نيسابور ، وهو شيخ الملامتية في عصره ، كان شيخ أبا عثمان الحيري ، وشاه بن شجاع الكرماني ، وغيرهم ، توفى ، رحمه اللّه ، سنة 264 ه . كان يقول : « حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن » . انظر ترجمته : الجامي : نفحات الأنس 178 ، السلمى : طبقات الصوفية 116 ، أبو نعيم : حلية الأولياء : 10 / 229 ، الرسالة القشيرية : 22 ، الهجويرى : كشف المحجوب 123 ، ابن تغرى بردى : النجوم الزاهرة 3 / 66 ، ابن الجوزي : صفة الصفوة 4 / 98 . ( 2 ) الشيخ ( أبو علي الدقاق ) هو الحسن بن علي ، الأستاذ أبو علي الدقاق ، النيسابوري ، الشافعي ، لسان وقته ، وإمام عصره ، كان فارها في العلم ، مبسوطا في الحلم . كان يقول : « الشجر إذا نبت بنفسه ولم يستنبته أحد قد يورق ، ولكنه لا يثمر ، ومريد بلا أستاذ لا يجئ منه شئ » . مات ، رحمه اللّه ، سنة خمس ، أو ست وأربعمائة هجرية . انظر ترجمته : المناوي : الكواكب الدرية 1 / 623 ، ابن العماد : شذرات الذهب 3 / 180 ، كحالة : معجم المؤلفين 3 / 261 . ( 3 ) في ( د ) ( ثم يلزمه ) .