محمد بن أبي بكر الرازي
33
حدائق الحقائق
واعلم أنه لا ينبغي للعصاة والمذنبين أن ييأسوا من رحمة اللّه تعالى في قبول توبتهم وحوبتهم « 1 » وإن كثرت ذنوبهم وعظمت ، وتكرر منه نقض التوبة والإصرار على الكبائر ، فإن ذلك غلط عظيم ، وسبب لفوات التوبة والبقاء في الذنوب أبدا ، بل ينبغي إذا عرضت لهم مثل هذه الحال أن يعلموا أن ذلك من كيد الشيطان ومكره في منع الإنسان عن التوبة ، وإبقائه مصرّا على الذنب مدة حياته نعوذ باللّه من ذلك ، وعلاج ذلك الداء إذا حصل أن يتدبر العصاة قوله تعالى : وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ « 2 » ، وقوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً « 3 » الآية ، وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ « 4 » . ونظير ذلك كثيرة جدا في القرآن الكريم . وروى عن « عبد اللّه بن عباس » « 5 » أنه قال : آيتان في كتاب اللّه تعالى ما أصاب عبد ذنبا فقرأهما ثم يستغفر اللّه تعالى إلّا غفر اللّه له : إحداهما : قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ « 6 » . والأخرى : قوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ « 7 » الآيتين . واعلم أن التوبة أصل هذا الطريق وأساسه فمتى صحت التوبة وخلصت للّه صح ما بنى عليها وأتم ، ومتى فسدت باختلال بعض شروطها ، أو بأن يشوبه شئ من الأغراض الدنيوية كطلب السمعة والشهرة واجتذاب قلوب الناس ، وما أشبه ذلك ، كان البناء كالبناء على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ، نعوذ باللّه من ذلك . فهذا هو القول في التوبة جملة وتفصيلا .
--> ( 1 ) غير واضحة ، ومصححه بالهامش . ( 2 ) الآية رقم ( 87 ) من سورة يوسف . ( 3 ) الآية رقم ( 53 ) من سورة الزمر . ( 4 ) الآية رقم ( 116 ) من سورة النساء . ( 5 ) ( عبد اللّه بن عباس ) هو : أبو العباس عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ، القرشي الهاشمي ، الحبر ، البحر ، الصحابي الجليل ، ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو الخلفاء العباسيين ، قال عنه الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم علمه الحكمة وتأويل القرآن » . توفى ، رضى اللّه عنه ، بالطائف بعد أن كفّ بصره ، في آخر عمره ، سنة 68 ه ، له في الصحيحين 1660 حديثا . انظر ترجمته : ابن قنفد القسنطينى : الوفيات 76 ، ابن العماد : شذرات الذهب 1 / 75 ، ابن حجر : الإصابة ترجمة رقم ( 4772 ) أبو نعيم : حلية الأولياء 1 / 314 . ( 6 ) الآية رقم ( 135 ) من سورة آل عمران . ( 7 ) الآية رقم ( 110 ) من سورة النساء .