محمد بن أبي بكر الرازي
296
حدائق الحقائق
ومنها القبض والبسط : وهما حالتان بعد ترقّى العبد عن حالة الخوف والرجاء . والقبض للعارف كالخوف للمستأنف . والبسط للعارف كالرجاء للمستأنف . والفرق بينهما : أن الخوف والرجاء يتعلقان بأمر مستقبل مكروه أو محبوب ، والقبض والبسط بأمر حاضر في الوقت يغلب على قلب العارف من وارد غيبى « 1 » . ثم كل واحد من القبض والبسط قد يكون تاما كاملا ، وقد يكون ناقصا قاصرا . فالقبض التام : هو وارد غيبى قوى ، كأنه يعاتب على تقصير أو سوء أدب ، كالمخاطب بما لا تحتمل النفس أثقاله فيستغرق العارف في ذلك حتى تنسد عليه أبواب التنفس . والقبض الناقص : وارد غيبى ضعيف كأنه يخاطب العارف بما تحتمله قوته ، فلا يبقى مسلوبا بالكلية . والبسط التام : وارد غيبى [ قوى ] « 2 » كأنه يخصه بتشريف وإقبال ولطف وسرور ، فيجذبه بالكلية حتى يبقى مدهوشا في بسطه كأنه قد حلّ عنه عقال الموانع ، وأطلق في ميادين الاتصال « 3 » ، وكوشف في رياض الجمال والجلال لقوة الوارد . والبسط الناقص : وارد غيبى ضعيف يؤثر في العارف سرورا ونشاطا وارتياحا تأثيرا [ يبقى فيه بقية يتصرف بها في نفسه ، وغيره قد يؤثر فيه البسط تأثيرا ] « 4 » كليّا لقوته واستيلاء سلطان العناية الأزلية على قلبه . وبسط كل « 5 » على حسب قبضه ، وقبضه على حسب بسطه . وقد يحدث قبض لا يعرف سببه ، وعلاجه التسليم حتى يذهب ذلك الوقت لأن تكلّف رفعه يخلّ بالأدب ، ويزيد في ذلك القبض وبالتسليم يزول عن قريب . قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ « 6 » .
--> ( 1 ) في ( ج ) : ( الغيبي ) . ( 2 ) سقط من ( د ) . ( 3 ) في ( ج ) : ( الإفضال ) . ( 4 ) ما بين المعقوفتين سقط من ( د ) . ( 5 ) في ( ج ) : كل شخص . ( 6 ) الآية رقم ( 245 ) من سورة البقرة مدنية .