محمد بن أبي بكر الرازي
284
حدائق الحقائق
يتعرض بقلبه في شئ ، ومتى خطر ببال المريد أن له قدرا أو قيمة ، أو في الأرض أحدا دونه لم تصح له إرادة . ورابعها : وأن يكون اجتهاده ليعرف ربّه ، لا ليزيد قدره ، وفرق بين من يريد اللّه تعالى ، وبين من يريد جاها في الدنيا ، أو في الآخرة . وخامسها : ثم يجب عليه حفظ سره عن دره لا عن شيخه ، وإن كتم نفسا من أنفاسه فقد خانه في صحبته ، فإن وقع في خاطره مخالفة شيخه فيما أشار به فينبغي أن يقر له بذلك في وقته ، ويتمثل ما يأمره به من سفر أو أمر شاق ، كل ذلك عقوبة له على خطور الخيانة والمخالفة بباله . وسادسها : ولا يجوز للمشايخ التجاوز عن زلات المريدين لأن ذلك تضييع لحقوق اللّه تعالى ولا يجوز أن يلقنوا المريد شيئا من الأذكار ما لم يتجرد عن كل علاقة . ويشهد قلب الشيخ له بذلك ، فإذا شهد له بقلبه بصحة العزم ، وقطع العلائق ، ورأى دلائل ذلك منه شرط عليه الرضا بما يجرى عليه ، في هذه الطريق ، من تصاريف القضاء كالذل ، والضر ، والفقر ، والأسقام ، والآلام ، وترك الرخص عند الفاقة والضرورة ، ومجانبة الراحة والكسل فإنه سبب للوقفة والفترة . والفرق بين الفترة والوقفة : أن الفترة خروج عن الإرادة بالكلية . والوقفة سكون عن السير باستطابة الراحة والكسل . وكل مريد وقف في ابتداء إرادته لا يجئ منه شئ ، وإذا جربه الشيخ وبدأ في تلقينه الذكر ، يختار له من الأذكار ما يراه ويأمره بذكر ذلك الاسم بلسانه ، ثم بقلبه ، ويقول له : إن أمكنك ألا يجرى على لسانك غير هذا الاسم فافعل ، ويأمره بأن يكون أبدا على الطهارة . وسابعها : ألا يكون نومه إلّا على غلبة ، ويقلل غذاءه « 1 » بالتدريج ، شيئا بعد شئ حتى يقوى على الجوع ، ولا يترك عادته بأمره « 2 » ، ثم يأمره بإيثار الخلوة والعزلة ، ويأمره بالاجتهاد في صرف خواطر السوء عنه ، في خلوته ، فإنه قلّ ما يخلو المريد في ابتدائه في حال خلوته من ذلك ، لا سيما إذا كان ذكيا كيّسا ، فإنه يتوسوس في الاعتقاد كثيرا ، وهو من الامتحانات للمريد ، فإن قدر الشيخ أن يدفع عنه ذلك بالأدلة العقلية فعل ، فإن العلم يقطع ذلك ، وإن توسم فيه قوة وثباتا في الطريق أمره بالصبر ، واستدامة الذكر حتى
--> ( 1 ) في ( ج ) : ( غذاؤه ) . ( 2 ) في ( د ) : ( بمره ) .