محمد بن أبي بكر الرازي
285
حدائق الحقائق
تسطع « 1 » في قلبه أنوار القبول ، وتشرف « 2 » شموس الوصول ، وعن قريب يكون ذلك ، وهذا النوع من المريدين قليل ، بل الغالب منهم إنما يرجعون بعلم الأصول . وثامنها : ومن فرائض حال المريد الإقامة في موضع إرادته ، وترك السفر حتى يقوى في الطريق ، فإن السفر له قبل ذلك سمّ قاتل ، وهذا في حق مريد يرجى له الوصول . وأمّا « 3 » من لا يرجى له الوصول فالسفر أليق به ، بل هو واجب ، لأن الإقامة ربما تريحهم ، فتعينهم على الشهوات والمعاصي ، وهؤلاء غايتهم حجّ يحصّلونه ، أو زيارة مكان شريف ، أو شيخ يتبركون به أو يخدمونه خدمة ظاهرة ، وحصول هذه الغاية لهم « 4 » في الأسفار أقرب . وتاسعها : وينبغي في ابتدائه أن يكون أبدا في قيد إيصال الراحة ، ويكون خصما للفقراء على نفسه ، لا خصما لنفسه عليهم ، ويرى لكل أحد عليه حقّا واجبا « 5 » . ويجب أن لا يخالف أحدا ، وإن علم أن الحق معه سكت ، ويطلب الموافقة لكل أحد ، وكل مريد يكون فيه محل وفادات « 6 » فإنه لا يجئ منه شئ ، وإذا كان مع جمع في سفر أو حضر فينبغي أن يوافقهم في الأكل والصوم والسكون والحركة بظاهرة . وأما باطنه فيكون مع اللّه تعالى محفوظا على ما يجب ، وإذا كان صائما وأشاروا إليه بالأكل فليأكل لقمة أو لقمتين ، ولا يطيع الشهوة في الأكل . وعاشرها : وليس من آداب المريد كثرة الأوراد بالظاهر فإنه مشغول بتبديل الأخلاق ونفى الغفلة عن القلب ، بل يقتصر على الفرائض والسنن الراتبة ، فإذا فرغ من ذلك وأراد التنفّل فاستدامة الذكر بالقلب له أتم من كل ذلك . وحادي عشر : ورأس مال المريد الاحتمال من كل أحد بطيبة نفس ، وتلقى ما يجرى بالرضا والصبر على الفقر والضر ، وترك السؤال والاعتراض في القليل والكثير ما هو حظ له ، ومن لم يصبر على ذلك فليدخل السوق . ثاني عشر : فإذا أدام المريد الذكر ، ولازم الخلوة فوجد فيها شيئا ناقضا للعادة من خطاب يسمع أو معنى يشاهد فينبغي أن لا يشتغل بذلك البتة ، ولا يسكن إليه ولا ينبغي أن ينتظر حصول ذلك ، فإن ذلك كله شاغل عن الحق تعالى ، ولا بد له إذا رأى ذلك أن
--> ( 1 ) في ( د ) : ( تطلع ) . ( 2 ) في ( د ) : ( وشرف ) . ( 3 ) في ( ج ) : ( فأمّا ) . ( 4 ) سقط من ( ج ) . ( 5 ) في ( ج ) : ( على أحد ) . ( 6 ) في ( ج ) : ( مماراة ) .