محمد بن أبي بكر الرازي
248
حدائق الحقائق
الكواكب ، واستقامتها كاستقامتها ، وأمراض القوى كآفات الكواكب ، والعقل في الجسد كالشمس ، والعلم كالقمر ، فالعلم مستفاد من أنوار العقل كما قيل : إن نور القمر مستفاد من نور الشمس . واللّه هو العالم بحقيقة ذلك ، والأرواح في البدن كالملائكة في الأفلاك . فهذا وجه مشابهة الجسد للعالم العلوي ، ووجه مشابهته للعالم السفلى أن الجسد بمثابة الأرض ، والعظام فيه كالجبال والأمخاخ فيه كالمعادن ، والبطن كالبحر ، والأمعاء والعروق كالأنهار والجداول ، واللحم كالتراب ، والشعر كالنبات ، والأيدي والأرجل كالأشجار ، والأصابع كالأغصان ، والوجه كالمشرق ، والقفا كالمغرب ، واليمين كالجنوب ، والشمال كالشمال ، وأمام ووراء كالقبول والدبور ، والأنفاس كالرياح ، والكلام كالبوارق ، والأصوات كالرعود والصواعق ، والفرح كالنور ، والهم كالظلمة ، والبكاء كالمطر ، والضحك كإشراق الشمس ، واليقظة كالحياة ، والنوم كالموت ، وأيام الصبا كالربيع ، والشباب كالصيف ، والكهولة كالخريف ، والشيخوخة كالشتاء . وكما أن في النبات ما يغلب عليه بعض الكيفيات ، ومنها ما هو معتدل ، فكذلك في أعضاء الإنسان وأجزائه ، وكذلك في الأجسام ما ينمى ، وما لا ينمى ، فكذلك في الإنسان . وأمّا طبائع الحيوانات وأخلاقها فتوجد كلها في الإنسان ، أيضا ، في اختلاف أحواله ، فتارة يكون شجاعا كالأسد ، وتارة جبانا كالأرنب ، وتارة بخيلا كالكلب ، وتارة متملقا كالهرة ، وتارة وحشا متكبرا كالنمر ، وتارة آيسا كالحمام ، وتارة مختالا كالثعلب ، وتارة سليما ساذجا كالسات ، وتارة عجلانا كالظبى ، وتارة بطيئا كالذئب ، وتارة عزيز النفس كالفيل ، وتارة حسيسا كاللجمل ، وتارة جهولا كالحمار ، وتارة زكيّا كالفرس ، وتارة مختالا كالطاووس ، وتارة أخرس كالسمك ، وتارة ناطقا كالهزار ، وتارة خيالا كالذباب ، وتارة حريصا كالخنزير ، وتارة مشؤوما كالبوم ، وتارة ميمونا كالببغاء ، وتارة نافعا كالنحل ، وتارة ضارّا كالفأر . ومن شرف الإنسان أن اللّه تعالى خلق جميع الموجودات ولم يثن على نفسه بخلق شئ منها كما أثنى على نفسه بخلق الإنسان ، لغرائب صفاته ، وعجائب ذاته . فقال اللّه تعالى : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ « 1 » .
--> ( 1 ) الآيات أرقام ( 1 ، 2 ، 3 ، 4 ) من سورة الرحمن مدنية .