عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

99

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

يؤمر ، ولا يقول إلا ما يؤذن ، ولا يتحرك في حال من أحواله إلا فيما يناسب أحوال مستخلفه . وأما الثبات على قدم التسليم والرضا ، فبأن يخالف هواه في طلب رضا مستخلفه ومولاه . ثم اعلم أن هذه الأصول الثلاثة لا تتيسر لخليفة إلا بتيسير المستخلف ، بأن يجعله فانيا عنه ، باقيا به وبثباته على قدم التسليم ، وترضيه عن نفسه برضاء نفسه عنه لتحقيق قوله : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أي لما رضى المستخلف عن الخليفة بالأصالة رضي الخليفة عن المستخلف بالخلافة ، لتحقيق خلافته واللّه أعلم بالصواب . الفصل الثاني في اختصاص الإنسان بالخلافة قال تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] الآية . اعلم أن اللّه تعالى لاختصاص الإنسان بالخلافة قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] وليعلم أن المختص بالخلافة من يكون أرضيا سماويا مثل الإنسان ، لا سماويا كالملائكة ولا أرضيا كالحيوانات ، وإنما قال تعالى : إِنِّي جاعِلٌ [ البقرة : 30 ] وما قال : إني خالق لمعنيين ؛ أحدهما : لأن الجاعلية أعم من الخلقية ، فإن الجاعلية هي الخلقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفا بصفة الخلافة ، إذ ليس لكل مخلوق اختصاص بالخلافة ، كما قال تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ ص : 26 ] خلقناك مستعدا للخلافة وأعطيناك مرتبتها . والثاني : أن للجاعلية اختصاصا بعالم الأمر وهو الملكوت ، وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات ، كما قال تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] أي : الملك والملكوت ، وأنه تعالى حيث ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر ذكره بالجاعلية لامتياز الأمر عن الخلق ، كما قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] . فلما كانت السماوات والأرض من الأجسام والمحسوسات ذكرها بالخلقية ، ولما كانت الظلمات والنور من الملكوتيات ذكرها بالجاعلية ، وإنما قلنا : إن الظلمات