عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
100
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
والنور من الملكوتيات لقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] وإنها من الملكوتيات لا من المحسوسات ؛ لأن النور هو نور الروح أو نور الهداية والإيمان ، والظلمات هي ظلمات صفات البشرية أو ظلمات الكفر والضلالة ، كما جاء في التفسير أو الظلمات والنور المحسوسة فإنها داخلة في خلق السماوات والأرض ، فافهم جيدا . فكذلك لما أخبر اللّه تعالى عن جسمانية آدم - عليه السلام - ذكرها بالخالقية ، كما قال : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ ص : 71 ] ولما أخبر بما يتعلق بروحانيته ذكره بالجاعلية فقال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] وفي اختصاص الإنسان باسم الخلافة كرامة له لم توجد في شيء آخر من الموجودات ، وإنما سمي خليفة لمعنيين : أحدهما : أنه يخلف عن جميع المخلوقات ولا يخلفه للمخلوقات بأسرها وذلك لأن اللّه جمع فيه ما في العوالم كلها من الجسمانيات والروحانيات . كما مر ذكره فهو بالحقيقة خليفة كل شيء وأكرمه باختصاص كرامة نفخ روحه فيه . كما قال : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] وما أكرم بهذا أحدا من العالمين ، وأشار إلى هذا المعنى بقوله : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات بأسرها أن تكون خليفة لآدم - عليه السلام - ، ولا للحق تبارك وتعالى . والثاني : أنه يخلف وينوب عن اللّه تعالى صورة ومعنى ؛ أما صورة : فوجوده في الظاهر يختلف عن وجود الحق في الحقيقة ؛ لأن وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على الباني وتختلف وحدانية الإنسان عن وحدانية الحق ، وذاته عن ذاته ، وصفاته عن صفاته ، فتختلف حياته عن حياته ، وقدرته ، عن قدرته وإرادته عن إرادته ، وسمعه عن سمعه ، وبصره عن بصره ، وكلامه عن كلامه ، وعلمه عن علمه ، ولا مكانية روحه عن لا مكانيته ، ولا جهتيته ، وليس لنوع من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم وإن وجد في بعضها بعض هذه الصفات . لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحد كما تجتمع في الإنسان ولا تتجلى صفة من صفاته لشيء كما تتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته . وأما معنى : فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور اللّه تعالى فتظهر أنوار صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان فإنه مستعد لقبول فيض نور اللّه لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد وفي زجاجة القلب زيت الروح يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ [ النّور : 35 ] من صفاء العقل ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [ النّور : 35 ] النور في مصباح السر فتيلة الخفي ، فإذا أراد اللّه أن يجعل في