عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
92
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
السبعة لما فيه من طبائعها وأمثلتها فقد ذكره المنجمون واستقصوه ، وأما شكل البدن كله وما كان يجب من استدارته لشبهه بالعالم الكبير ويشاركه في شرف هذا الشكل وفضله على جميع الأشكال ، وإن كان حاصلا بأن طوله وعرضه من حيث يبسط يديه متساويان ، فالمقصود من جميع بدن الإنسان هو الرأس الذي خلق مستديرا وهو تام كامل فيه الحواس الخمس ، وفيه يظهر آثار الإنسانية لأن التمييز والفهم والذكر والفكر ، وبالجملة جميع قوى النفس إلا أنه لو أفرد خلقه ولم يوصل بسائر أجزاء البدن لما تمت حياته مدة طويلة ولعرضت له الآفات الكثيرة في الزمان اليسير ، وذلك لحاجته إلى الانتقال والسعي وتناول الحاجات ودفع الأذيات ، وليس يتم له ذلك إلا بالحركة ، وحركة المستدير نحو حاجاته تكون بالتدحرج ، وفيه من التعرض للآفات ما لا خفاء فيه ، وهو مع ذلك يحتاج إلى حرارة تحفظ عليه اعتدالا خاصا ومزاجا مفروضا وتلك الحرارة لطيفة جدا ، وكان ينبغي أن يكون الوسط كالمركز لينتشر إلى أطراف الكرة بالسواء ويحفظ عليه مزاجه ، وجوهر الدماغ بارد رطب لا يصلح إلا بذلك . فلو جعلت تلك الحرارة اللطيفة في وسطه لأطفأها سريعا وتلف الإنسان ، وأيضا إن الحرارة إذا جاوزت الرطوبة أحدثت البخارات الكثيرة ، والبخارات إذا لم تجد منافذ إلى الهواء عادت على الحرارة فأطفأتها للوقت فوجب من هذه الأشياء ومن غيرها مما يطول ذكرها أن تبعد تلك الحرارة ، فلما أبعدت احتجبت أن وصل بينهما وبين جوهر الدماغ بمجاري ومنافذ يجري مجرى الكومى وهي الشريانات التي بين القلب وبينه ، ولما فعل ذلك احتيج إلى زيادة في الحرارة وقوتها إذا كانت تصل إلى هناك في مسافة طويلة وقد نقص بعض سورتها ، فجعل في القلب حرارة أزيد ليصل إلى الدماغ منها قدر الحاجة منها والكفاية لحفظ مزاجه ، ولما زيدت هذه الحرارة احتدت فحصل فيها مما يجاوزها من جوهر القلب بخار دخاني ، واحتاج إلى نافخ ينفي عنها أبدا بالنفخ البخار الدخاني ويجتلب إليها الهواء الموافق لها الذي يبقى فيه . فلذلك خلقت الرئة وآلة النفس لتروح الحرارة وتخدمها في أسباب البقاء ، ولما احتاج إلى الغذاء الموافق لرد العوض عما تحلل منه بالحرارة خلقت له آلات الغذاء وتوابعه وما يخدمه في جميع ذلك ، من الرجلين للسعي إلى المؤثر والهرب من المكروه واليدين لتناول المنافع ودفع المضار ، وجميع ما بينا في كتاب « منافع الأعضاء » من جليها ودقيقها ، ظاهرها وباطنها التي دلت على حكمة بالغة وقدرة تامة وتدبير غامض وصنع لطيف . وهذا القدر من الكلام كاف في أن الإنسان كعالم صغير إذ قد ظهر ذلك ، وقد أظهر أن قواه متصلة كاتصال العالم الكبير وأنها مرتقية من أدنى مراتبها إلى