عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
93
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
أقصاها كما بينا في فصل كيفية ارتقاء الحواس . ثم اعلم أن تسوية قالب الإنسان إذا تمت وتعلق الروح بالقالب بالتمام واستعد لقبول الفيض الإلهي كما سنبينه في فصل التسوية إن شاء اللّه تعالى ، ليظهر مقام الإنسان وأنه هو العالم الكبير واللّه ولي الهداية والتوفيق . الفصل الثالث في تسوية القالب وتعلق الروح به قال اللّه تعالى : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « وإن اللّه خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا » « 1 » . اعلم أن الحكمة في خلقه العالم بما فيه كانت لخلقة الإنسان ؛ لأنه هو المخلوق المستعد لقبول الفيض الإلهي الذي به يكون عارفا للّه ، فإنه مرآة صفات جمال اللّه وجلاله ومظهر صفات لطفه وقهره ، وهو الناظر في مرآة نفسه ومشاهد جمال اللّه وجلاله فيها بنور الفيض الإلهي ، فيكون عارفا نفسه بالمرآتية وربه بذي الجمالية والجلالية ، وأنه هو الناظر والمنظور إليه ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » فالإنسان هو المحبوب المخلوق للمعرفة في قوله تعالى : ( فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف ) . ثم اعلم أن بدء تسوية قالب الإنسان من حين أن اللّه تعالى نظر إلى الجوهرة التي خلقها أولا فجمدت وصارت حمراء ، ثم نظر ثانيا فذابت وارتعدت من خوفها فصارت ماء ، ثم نظر إليها نظر الرحمة فجمد نصفها فخلق منه العرش فارتعد العرش فكتب اللّه عليه ( لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ) فسكن العرش وترك الماء على حالته يرتعد إلى يوم القيامة ، أن تلك الجوهرة المخلوقة أولا هي روح النبي - صلى اللّه عليه وسلم - الذي خلق منه جميع الموجودات كما مر ذكره عن حديث جابر ، وإنما سكن العرش لما كتب اللّه عليه : ( لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ) ؛ لأنه خلق من نوره وبقدرة اللّه ، فبنور اسم اللّه عليه واسم محمد - صلى اللّه عليه وسلم - سكن ، ولأن العرش وما دونه خلق لتتهيأ مرآة صفات الألوهية وتسويتها وهي قالب محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وقلبه المعبأة بالقوة في العرش ،
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره عند قوله تعالى : « وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي » . ( ج 3 ص 225 ) ، ولفظة : « إن اللّه خمر طينة آدم بيده أربعين ليلة . أو قال أربعين يوما » . وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ( ج 1 ص 3 ) ، وقال : « رواه الفزاري موقوفا » . وأخرجه غيرهما .