عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

71

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [ السجدة : 24 ] فإن من أهل الولاية من يصلح لتولية أمر العباد ، ومنهم من يتولى أمر نفسه فحسب كما قال تعالى : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [ المائدة : 105 ] وحكم الولاية كحكم السباحة فمن أهل السباحة من ينجي نفسه من البحر وغيره بقوة السباحة ومنهم من ينجي نفسه ولا يقدر على إنجاء غيره بالسباحة ، ومن لا يقدر على إنجاء نفسه لجهله بعلم السباحة ، فليأخذ بيد غيره لينجيه من الجهل ، فجهله مركب يهلك نفسه ونفس غيره ، كأكثر مدعي أهل زماننا هذا فضلوا وأضلوا كثيرا ، عصمنا اللّه من غرور أنفسنا وشرورها برحمته وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، ورزقنا كمال التقوى الذي نال به الكرامة من كان من أهل الكرامة ، بقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] فإنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة وسنذكر بعد هذا فصلا في شرح التقوى إن شاء اللّه تعالى . الفصل الثاني في مقام التقوى قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 102 ) [ آل عمران : 102 ] وعن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - قال : جاء رجل إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : يا نبي اللّه أوصني ، فقال : « عليك بتقوى اللّه فإنها جماع كل خير ، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلم ، وعليك بذكر اللّه تعالى فإنه نور لك » « 1 » اعلم أن لمقام التقوى ثلاث مراتب : مرتبة العوام في التقوى : وهي التحرز عن المخالفات بالتعرض للموافقات ، والتجنب عن الشبهات بتوقي المتورعات والتطهر عن السيئات بماء الحسنات ومرتبة الخواص في التقوى : المجانبة عن الشهوات بملازمة الرياضات ، والتحفظ عن الفترات بمراقبة الخطرات ، والاحتراز عن الوقفات بترقب المشاهدات . ومرتبة أخص الخواص في التقوى : الإعراض عن وفق هواه ببذل الروح لما يهواه والخروج عن حظوظ دنياه وعقباه برعاية حقوق مولاه ، والاتقاء باللّه عما سواه

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ( 2 / 66 ) طبعة السلفية والسيوطي في الدر المنثور ( 6 / 99 ) طبعة دار الفكر بيروت ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، ( 4 / 215 ) طبعة القدسي . وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب المواعظ والرقاق ، قسم الأقوال ، حديث رقم ( 43430 ) ، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .