عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
72
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
فحينئذ يكون هو الذي اتقى اللّه حق تقواه . فمن شرط الولي أن تكون التقوى شعاره ، والتفويض دثاره ، والإخلاص عياره فإن قال قائل : إن من شرط الولي أن يكون متقيا محفوظا عن الذنوب . فإن جرى عليه شيء من المخالفات هل يقدح في تقواه ، أو يخل بالولاية ؟ قلنا : إن كان الولي في مقام التلوين ، فتارة يترضع من ثدي المواهب ، وتارة من ثدي المكاسب ، فلا شك أن الرضاع يغير الطباع ، فإن لم يكن محفوظا عن الإصرار ومتدركا بالاعتذار والاستغفار يكون على خطر الإضرار ، بل يكون بصدد أن يكور الليل على النهار ، ونعوذ باللّه من الحور بعد الكور ، وإن كان في مقام التمكين وقد يتولى اللّه أمره ، فلله الحكمة البالغة فيما يجري على أوليائه وأحبائه من الزلات وبعض الآفات ، ابتلاء واختيارا فالمعتقد من كمال رأفته أن يكون من قبيل البلاء الحسن ، كمال قال : وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً [ الأنفال : 18 ] [ الأنفال : 17 ] كما كان في حق آدم - عليه السلام - . كانت زلته موجبة للاجتباء والاهتداء . روي عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : « إذا أحب اللّه عبدا لم يضره ذنب » « 1 » يشير به إلى أن المحب لا يحب إلا ما يحب محبوبه ، فالذنب إذا لم يكن محبوب محبوبه فيكون المحب نادما على صدور شيء منه غير محبوب محبوبه والندم توبة « والتائب من الذنب كمن لا ذنب له » « 2 » فإذا لا يضره ذنب ، وقد قال اللّه تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [ المائدة : 18 ] يشير إلى أن اللّه لا يعذب أحباءه بذنوبهم ، فإنه يوفقهم للتوبة ، أو لما يكفرها من الطاعات والحسنات وفيه إشارة أخرى ، وهي أن الذنوب لا تسقطهم عن مقام المحبة ، وقد قيل للجنيد : العارف يزني يا أبا القاسم ؟ فأطرق ثلاثا ثم رفع رأسه وقال : وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، وإن الماء مهما كان عينا أو نهرا يمكن تغيره ، فإذا كان بحرا والبحر طهور ماؤه وحل ميتته . ثم اعلم أن من أوصاف الولي : التعظيم لأمر اللّه ، والشفقة على خلق اللّه في جميع أحواله ، والزهد أحد دعائم ولايته كالتقوى وسنذكر فصلا في شرح مقام الزهد إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 2 / 284 ) - ( 8 / 506 ) - ( 9 / 609 ) والسيوطي في الدر المنثور ( 1 / 261 ) . ( 2 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الشهادات ، باب شهادة القاذف ، حديث رقم ( 20562 ) ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب التوبة ، قسم الأقوال ، حديث رقم ( 10170 ) - ( 10171 ) - ( 10172 ) . وأخرجه غيرهما .