عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

70

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الرباني ، بترشح آثار صدق معاملاته من باطنه على ظاهره ، كماء في آنية لم يجد منفذا يخرج منه فيترشح منها ، فهذا النوع من الكرامة مما يظهر على غير الولي ؛ لأن من شرط الولي أن يخرجه اللّه من ظلمات الخلقة إلى نور القدم ، كما قال تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] وهذه هي الكرامة الحقيقية التي لا يشاركه فيها أحد من المخلوقات سوى الأنبياء ، فإن نهاية مقام الأولياء بداية مقام الأنبياء ، والكرامة التي هي مشتركة بينه وبين المخلوقات هي الكرامة الظاهرة ، مثل المشي على الماء فإنه مشترك بين الحيتان والضفادع ، والمشي على الهواء مشترك بين الطيور ، والمشي في النار مشترك بين السمندر ، والمشي من المشرق إلى المغرب مشترك بين إبليس ، والعروج إلى السماء مشترك بين الملائكة ، والتكلم على الخواطر مشترك بين الرهابين والكهنة ، فاعتبر الفرق بين هذه الكرامات ، وكرامات لم يشترك فيها ملك مقرب ، فبداية هذا المقام أعني الخروج من ظلمات الخلقية إلى نور القدم ، مقام أهل الوسط ، من أهل الولاية وهو بعد في تلون السير والتجلي متردد بين القبض والبسط إلى أن يستولي سلطان الذكر على ولاية الوجود ، ويتعرى من كسوة الحرف والصوت ويتجوهر القلب بنور الذكر ، ويصير قابلا لتجلي صفات الجمال والجلال ، فيتجلى الرب له بجميع صفات الكمال ، وأشرقت أرض الوجود بنور ربها فانسلخت عن جلد الأنانية بسطوة الأنوار الربانية ، وانتزعت مادة الخوف والرجاء ، وانقطع عنه القبض والبسط تحقيقا لقوله تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) [ يونس : 62 ] فهذا مقام الولي من أهل النهاية في الولاية ، الذين أخرجهم اللّه من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفات القدم لهم ليبقيهم به وهذه كرامة حقيقية قد كرم اللّه بها بني آدم وخصهم بها في تحقيق قوله : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] فمن كان مكرما بأدنى شيء من هذه الكرامات خير له من جميع الكرامات الظاهرة التي أظهرها اللّه تعالى على أهل الكرامات وأصحابها ، فإنه ممن آمن باللّه إيمانا عيانيا لا بيانيا ، وكفر بالطاغوت الخلقية فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، وهذا المقام يلي النبوة وهذا الولي الذي قد تولى اللّه أمره وهو الذي يصلح أن يتولى أمر عباده ، ويدعوهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل » « 1 » وقال تعالى :

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1642 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .