عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
53
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
والسحر عندنا حق على معنى أنه ثابت واقع ، وصح الحديث عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « السحر حق والعين حق » « 1 » وكان لبيد بن أعصم اليهودي وبناته الملعونات قد سحروا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بمشط ومشاطة وحف نخل طرحوه في ذاعوقة ذي أروان ، وهي معروفة حتى نزل الملكان وأخبراه ؛ فاستخرجه علي - رضي اللّه عنه - ، وفيه نزلت المعوذتان وأنكرت المعتزلة والدهرية والروافض السحر والدليل على صحته إجماع الأمم سلفا وخلفا وإجماع أهل الكتاب كلهم من الهند والروم والفرس ، وآيات القرآن ناطقة به . قال اللّه تعالى : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ( 4 ) [ الفلق : 4 ] وهن السحرة ، ينفثن عند قراءة الرقى ، وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كلما حلت عقدة مما سحروه وجد في نفسه خفة ، فلما استتم قام سالما ، كأنما أنشط من عقال ، وقد قال اللّه تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ [ البقرة : الآية 102 ] . ثم اعلم أن أجناس السحر مختلفة : طلسم ونيرنج ورقية وحل قطيرات وشعبذة . فالطلسم : قيل معناه في مقلوبه وهو المسلط . قالوا : هو جمع آثار سماوية مع آثار عقاقير الأرض فيظهر منها أمر عجيب . والنيرنج : أصله نيرنك فعرب وهو التمويه والتخييل ، قالوا : إن ذلك تمزيج قوى جواهر الأرض بعضها بالبعض ليحدث منها أمر عجيب . والرقية : هي الآفسون ومعناه آب سون فعرب ، أي رقوا على الماء فيشربه المصاب أو يصب عليه ، وإنما سميت رقية لأنها كلمات رقيت من صدر الراقي ومنه الترقوة وتلك الكلمات بعضها فهلوية وبعضها نبطيه وبعضها كالهذيانات . زعموا أنما سمعت من الجن أو سمعت في المنام . والحل قطيرات : خطوط عقدت عليها حروف وأشكال ، أي حلق ودائرات زعموا أن لها تأثيرات بالخاصية وبعضها مقروء . والشعبذة : قد ذكرنا أنها خفة اليد ، وخفة الأعمال ، كالمشي على الأرسان واللعب بالمهارق والحقاق . واعلم أن الحاصل عقيب هذه الأشياء كلها فعل اللّه تعالى على وفق إجرائه العادة بها ، وعلة ذلك ووجه حكمته فيه لا يعلمه أحد إلا اللّه تعالى وتقدس ، وليس بيد العامل بها إلا إعداد الآلات والجمع بينهما فحسب . قال اللّه
--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم بلفظ : « العين حق » البخاري ، كتاب الطب ، باب العين ، رقم ( 5740 ) ، ومسلم كتاب السلامة ، باب الطب والمرض والرّقى ، رقم ( 41 / 2187 ) . ورواه غيرهما . وأما لفظ « السحر حق فهو من كلام العلماء وليس حديثا » . قال ابن كثير في التفسير : « قال أبو عبد اللّه القرطبي : وعندنا أن السحر حق وله حقيقة يخلق اللّه عنده ما يشاء خلافا للمعتزلة » ( تفسير سورة البقرة ج 1 ص 148 ) .