عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
54
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 102 ] جل جلاله . جاء رجل إلى الصادق فادعى خلق الحيوان فأخذ قطعة لحم ودفنه في الزبل فصارت دودا فأراه إياها . فقال له الصادق : إن كنت تخلقها فأخبرني بعددها وعدد ذكرانها وإناثها وعدد أرجلها وخواص ظاهرها وباطنها ، فعجز الرجل ، وغرضنا في إيراد هذه الأشياء إبانة الفرق بين المعجزات وبين هذه التمويهات الباطلة إذا ظهرت على أيدي الكذابين فقد قيل : وبضدها تبين الأشياء ، ثم يقول : إنما يظهر من هذه الطرق كلها فلا يخلو من حبل كسببية تضاف إليها من مباشرة فعل ، وضم شيء إلى شيء وعمل صورة وهيئة واختيار وقت ورصد كوكب وقوة وهم ، وتدخين بخورات ، وتعزيم كلمات ، وإعداد آلات ، وهذه الجملة كلها من أولها إلى آخرها فعل ذلك للمدعي وحيلته وسعيه . وقد صح أن المعجزة محض فعل اللّه تعالى لا مدخل لقدرة العبد فيه . واعلم أن المعجزة تبقى بعد النبي زمانا ، والسحر سريع الزوال ، وهو أحد الفروق بينهما ، وأيضا المعجزة إنما يظهرها النبي على رؤوس الأشهاد وعظماء البلاد وأكياس الناس ، والشعبذة إنما تروح على الصبيان وضعفاء العقول وأهل السواد وجهلة الأكراد . الفصل التاسع في إثبات نبوة المصطفى - صلى اللّه عليه وسلم - قال اللّه تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) [ آل عمران : 81 ] . اعلم أن نبوته - صلى اللّه عليه وسلم - ثابتة بشهادة اللّه تعالى وشهادة جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ، وبشهادة نفسه - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله : « كنت نبيا وآدم منجدل بين الماء والطين » « 1 » وبقوله : « أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا » « 2 » فشهد اللّه بنبوته وأشهد الأنبياء عليها ، وشهد كل نبي على نبوته وأشهد أمته عليها وأوصى كل نبي أمته بالإيمان به وبنصرة دينه ، واعلموهم بمجيئه بما بين لهم في صحفهم من أسمائه ونعوته وسيرته وصفة أمته . فكان في التوراة ، في الفصل العشرين من السطر الخامس : إن الرب جاء من طور
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .