عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

52

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ادعى أنه نبي كان كاذبا في دعواه والكاذب لا يكون وليا للّه ، فلا يظهر على يده ما يظهر على أيدي الأنبياء ، وهذا فرق ظاهر ، وكذا سمعت من لفظ الشيخ علي اليوناني أن المعجزة تكون عقيب دعوى النبوة . وقال المشايخ : إن المعجزات علامات صدق حيث وجدت فلا تظهر على أيدي الأولياء عند دعواهم النبوة ؛ لأنها لو وجدت عند ذلك لانقلب الصدق كذبا وهو محال . وقال بعض المشايخ : زيادة المعجزات تزيد قلوب الأنبياء تثبتا ، وزيادة الكرامات تزيد قلوب الأولياء وجلا وخيفة حذار من أن يكون استدراجا . وقال بعضهم : الأنبياء يحتجون بالمعجزات على المشركين ، والأولياء يحتجون بالكرامات على نفوسهم لتصلح وعلى قلوبهم لتطمئن . وأكثر المعتزلة : أنكروا كرامات الأولياء لعدمها فيما بينهم ، وذلك لأجل بدعهم وإنما أنكرت المعتزلة الكرامة بناء على أن الفعل إنما يكون معجزة بخرق العادة فحسب وليس كذلك ، بل ينضم إلى خرق العادة التحدي بالنبوة والاقتران بدعوى النبي ، ألا ترى آيات الساعة خارقة للعادة وليست معجزات . وأما الدليل على إثبات الكرامات للأولياء : فهو أن تلك أفعال خارقة للعادات مقدورة للّه تعالى ، فإذا لم يؤد إلى سد باب النبوة جاز ظهورها على أيدي الأولياء . وسمعت الشيخ علي اليوناني برحبة الشام وكنت في خدمته لما رجعنا من زيارة شيخ من مشايخهم وقد كان صاحب كرامات مشهورا بالولاية فقال لي : إن هذا الشيخ كان صاحب الكرامة ولم يكن صاحب الولاية ، ثم قال لم تسلم الزيارة إلا لمن يرى أحوال المرور في لحده وما هو فيه ، وما قال الشيخ صحيحا لأنّا قد شاهدنا كثيرا ممن ظهر على يده بعض الكرامات في ابتداء أمره أو وسط حاله ، وهو لم يبلغ بعد مقام الولاية . وقد قيل : إن الكرامات الظاهرة تغذية تربى بها أطفال الطريقة ، وأما من حيث السمع فقصة مريم - عليها السلام - في قوله تعالى : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) [ مريم : 25 ] وقوله : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا [ آل عمران : 37 ] وقوله تعالى : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ [ النّمل : 40 ] حكاية عن آصف بن برخيا ، وقصة أصحاب الكهف ، وما جرى عليهم من الحالات ، هؤلاء ليسوا بأنبياء ، وقد جرى عليهم أمور خارقة للعادات . فأما السحر ؛ فهو في اللغة : إراءة الباطل في صورة الحق ؛ ومنه وقت السحر للصبح الكاذب والسحر الرئة لأنها كاللحم وليست بلحم . والشعبذة : منسوب إلى رجل اسمه شعباذة وهو معرب وأصله خفة اليد في تقليب الأشياء .