عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
48
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
له خبيئة يمتحنون بها صدقه ، فإن استخرج الخبيئة رضوا بحكمه حتى قيل : إن قوما أخذوا جرادة صفراء وأدرجوها في قطعة شن وعلقوها في عنق كلب لهم اسمه سوار ، فلما أتوا الكاهن قالوا قد خبأنا لك خبيئة فأخبرنا ما هي ؟ قال : خبأتم شيئا طار شبيه الدينار ، قالوا : نريد أبين من هذا ، قال : خبأتم جرادة في عروة مزادة في عنق سوار ذي قلادة فقالوا : قد أصبت ، فاحكم بيننا ، وكانوا يسمون الكاهن : الطاغوت . قال أبو عبيد في قوله تعالى : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها [ الزّمر : 17 ] إنما أنثها لأنه يريد به الكاهنة . قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « اجتنبوا النجوم فإنها تدعو إلى الكهانة » « 1 » . واختلفوا فيما يقول الكاهن من أين علمه ؟ قال بعضهم : إنما يكون ذلك من قوة بعض النفوس الألمعية في أصل الخلقة والجبلة . زعم المنجمون أن ذلك لوقوع سهم الغيب في درجة المطالع أو برج التاسع . وقال بعضهم : إن الكاهن مخدوم الجن فيأتونه بالأخبار وهذا أقرب إلى الصواب . وقيل : إنه لم يرقط كاهن إلا وفيه خبل ونقص في الخلقة والصحيح من ذلك أنهم يقولون مما يلقي إليهم الشيطان من استراق السمع حين يرمي بالشهب ، فإن الشياطين إذا استرقوا السمع ربما يحترق بعضهم بها وربما يتساقط بعضهم إلى نواحي الأرض ، وقد بقي معه بعض أخبار الغيب مما استرقه من الملائكة المدبرات أمرا من السماء الأولى ، فيلقي ذلك إلى روع الكهنة ، فيخبروا الكهنة بها . قال اللّه تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [ الأنعام : 121 ] وأولياؤهم هم الذين يقارنونهم في مشاكلة خبث النفس وخبل الخلقة ونقصان العقل وفساد الدين وهم هؤلاء الكهنة . وقال بعض الحكماء الإسلاميين : إن الفرق بين النبوة والكهانة . إنما يتبين بعد تبيين حقيقة الكهانة ، وذلك أنها قوة من قوى النفس أكثر ما يظهر في أوقات الأنبياء - عليهم السلام - وقبيل ورودهم ، وذلك أن الفلك إذا أخذ يتشكل بشكل ما يتم به في العالم حدث عظيم أو يكمل به أمر كبير عرض بين بابتداء ذلك الشكل وآخره الذي هو غايته وتمامه في الأرض إحداث شبيهة بما يريد أن يتم ولكنها تكون غير تامة ؛ لأنها شبهات وأيضا غير تام ، فإذا استكمل ذلك الشكل في الفلك وصار إلى غايته تم
--> ( 1 ) أورده السيوطي في الدرر المثور ، ( ج 3 ص 331 ) بلفظ : « لا تعلم النجوم فإنها تدعو إلى الكهانة » . وهو من كلام عبد اللّه بن عباس . وأورده بلفظ : « عن ميمون بن مهران قال : قلت لابن عباس أوصني قال أوصيك بتقوى اللّه وإياك وعلم النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة » . ( ج 3 ص 330 ) .