عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

49

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

به في العالم ما يقتضيه ذلك الشكل ، وإنما يكون ذلك في ساعة قصيرة من الزمان كسرعة تبدل الأشكال في الفلك وكثرة حركاتها المختلفة فتصير تلك القوة التي يوجبها ذلك الشكل في شخص واحد أو في شخصين أو ثلاثة ، ويستوعب ذلك الشخص تلك القوة ويستوفيها على التمام والكمال ، أما من قرب من ذلك الشكل ولم يستوفه لتغيره بالحركة فإنه يكون ناقص القوة بحسب بعده من الشكل ، ولذلك تكون النبوة أكثر ما تظهر في الزمان الطويل لشخص واحد ، وربما في بعض الأزمنة أن يوحي إلى اثنين أو ثلاثة وربما اجتمعوا في مدينه ، وربما تفرقوا في عدة مدن بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة . والنظر الإلهي لكافة الناس ، فإذا ظهرت النبوة التي هي ما قصد إليه بذلك الشكل تبين حينئذ قصور تلك القوى التي تقدمت أو تأخرت عنه وعجزها ونقصانها عن ذلك التمام ، ولذلك أيضا يكون ما يظهر بزمان كل نبي جنس ما يريد أن يتم على يده ، ومن نوع ما يتحقق به في ذلك النهج وعلى تلك الطريقة ، وقد تنبه المتكلمون في زماننا هذا على ما ذكرنا فقالوا : إنما يبعث اللّه عز وجل إلى كل قوم نبي يأتيهم من جنس ما يدعون الفضل فيه والبراعة والتبريز بالعجز الذي لا يطيقونه ولا في إمكانهم مثله ، ليكون أبهر للحجة وأوكد للدلالة وأجدر أن لا تقول الناس جئتنا بما لا نعرف منه شيئا ، ولو عرفنا منه ما تعرفه لأتينا لمثله معنى قريبا لما ذكرناه ، فهذا المعنى الذي ذهب إليه المتكلمون وإن كان صحيحا فإنه هو إتمام بما ذكرناه وكأنهم حكموا به ورأوا ظله . ثم نعود إلى صفة الكاهن فنقول : إن صاحب هذه القوة إذا أحس بها من نفسه تحرك إليها بالإرادة ، ليكملها وهي في نفسه ناقصة فيبرزها في أمور حسية ، وينشرها من علامات تجري مجرى الفال والزجر وطرق الحصى ، وما أشبه ذلك وربما استعان بالكلام الذي فيه تكلف من سجع وموازنة لتنصرف نفسه عن الحواس إليه ، فيتداخل نفسه ويقوى فيه ذلك الأثر ويهجس في قلبه عن تلك الحركة في نفسه ما تقذفه على لسانه ، فربما صدق ووافق الحق ، وربما كذب وذلك أنه تمم نقصه بأمر مباين غير ملائم ، فعرض له الصدق والكذب جميعا ، وإذا عرض هذا صار غير موثوق به ، وربما يكذب الكاهن من تلقاء نفسه وبالتعمد خوفا من أن يبور سوقه وتكسد بضاعته فيستعجل حينئذ الرزق ، ويخبر بما لا أثر له في نفسه ولا يجد له حركة ليموه أمره ، فيضطر إلى الظنون والتخمينات ، وينبغي أن يتصور أن الكهانة لها عرض كثيرة فإن درجات أصحابها متفاوتة بحسب قربهم من غاية الإنسان وبعدهم عنه ، وعلى قدر قبولهم الأثر الأعلى ، وعلى كل حال فإنهم متميزون عن الأنبياء - عليهم السلام - بما