عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

38

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ومنها : ما يحدث به الناس ، وذلك على صنفين : فمنه ما كان مأمورا بكتابته قرآنا ، ومنه ما لم يكن مأمورا بكتابته قرآنا ، فلم يكن في القرآن واللّه أعلم . الفصل الرابع في أن العقل ملك مطاع بالطبع متهيء لقبول الوحي والإيمان به : اعلم : أن اللّه تعالى خص العقل برتبة هي أعلى مراتب المبدعات ، وأن جميعها محتاجة إليه وهو الذي يمدها بفضائله وإن كان بعضها لأجل بعدها عنه ، وقلة حظها منه ، تتمرد عليه . وعلى ذلك فإنه لا محالة تخضع له إذا ظهر لها أدنى ظهور ، فمثله كمثل الملك الذي يحتجب عن بعض عبيده ويطلع عليهم من حيث لا يرونه ، فإذا خالفوا أمره واجترأوا على بعض ما نهى عنه إنما ذلك لأنهم لا يرونه ولا يعلمون أنه يراهم ، فإن أحسوا به أدنى إحساس انقبضوا ضرورة وهابوه طبعا ، ويظهر هذا المعنى ظهورا تاما في البهائم ، فإنها تخدم الإنسان وتهابه بالطبع ، وتتبع العدة الكثيرة الراعي الواحد ، وربما كانت قوة واحد منها تزيد على قوى عدة كثيرة منهم ، وكذلك حالها في عظم الأجسام والجرأة والبطش ، وعلى هذا يجري أمر الناس بعضهم مع بعض ، فإن عامتهم إذا وجدوا بينهم واحدا أكثر حظا من العقل فإنهم يهابونه ويخضعون له ويتبعونه منقادين مستسلمين كشبه البهائم ، إذ الطبيعة واحدة بعينها ، وكذلك يفعل أولئك العقلاء لمن هم فوقهم في العقل من الطاعة والانقياد وشدة الهيبة ، ولقوة هذا الأمر الطبيعي ، ربما ظن بواحد من الناس أكثر مما فيه من العقل فينقاد له ، فقد بان ما أردنا بيانه من مرتبة العقل ، وأنه ملك مطاع بالطبع ، فأما الدليل على أنه متهيء لقبول الوحي والإيمان به . فقول النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - : « أول ما خلق اللّه العقل ، فقال له : أقبل ، فأقبل ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إليّ منك ، بك أعرف وبك آخذ ، وبك أعطي وبك أعاقب وبك أثيب » وفي رواية : « وبك أعبد » « 1 » فصح أنه متهيء لقبول الوحي ، إذ كان هو أول من اختص من اللّه تعالى بالوحي والخطاب والمحبة والمعرفة والعبادة والعبودية والنبوة بإنباء الحق إذ أنبأه عن معرفة نفسه ومعرفة ربه ، وإذا أمعنت النظر وأيدت بنور اللّه تحقق لك أن الذي هو المعبر عنه بالعقل والموصوف باختصاص الوحي والخطاب والمحبة والمعرفة والعبادة

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .