عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
39
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
والعبودية والنبوة ، هو روح حبيب اللّه تعالى ونبيه محمد - صلى اللّه عليه وسلّم - أفضل الصلوات ، فإنه الذي قال : « أول ما خلق اللّه عز وجل روحي » « 1 » وفي رواية « نوري » فروحه الشريفة جوهر نوراني ونوره هو العقل ، وهو عرض قائم بجوهره ، ومن هنا قال صلى اللّه عليه وسلّم : « كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد » « 2 » أي لم يكن بعد روحا ولا جسدا ؛ ومن هنا قال : من عرف نفسه فقد عرف ربه ؛ لأنه عرف نفسه بتعريف اللّه ، إذ قال له : « ما خلقت خلقا أحب إلي منك » وعرف اللّه أيضا ، بتعريف اللّه نفسه إياه ، « إذ قال : « وعزتي وجلالي ، ما خلقت أحب إلي منك » فعرف أنه الإله الذي من صفاته العزة والجلال ، والخالقية والمحبة ، وهو المعرف لكل عارف وله القدرة والحكم على الأخذ والإعطاء والثواب والعقاب وهو المستحق العبادة ، وقد أخذ عن بعض الكبراء من الأئمة إن أول المخلوقات ملك كروبي يسمى العقل ، وهو صاحب القلم بدليل توجه الخطاب إليه في قوله : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر . فأدبر ، ولما سماه قلما قال له : اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة « 3 » ، وتسميته قلما كتسمية صاحب السيف سيفا . وقد سمى النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - : خالد بن الوليد سيف اللّه وهذا أول لقب في الإسلام ، فلا يبعد أن يسمى روح النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - ملكا لغلبة صفات الملكية عليه ، كما يسمى جبريل روحا لغلبة الروحانية عليه ، كقولهم : فلان شعلة نار لحدة ذهنه ، وسمي عقلا لوفور عقله وقلما لكتابة المكونات به ونور النورانية ، وقد سماه اللّه تعالى نورا في القرآن بقوله : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [ المائدة : 15 ] فالنور محمد صلى اللّه عليه وسلّم وقد يكون العقل في اللغة بمعنى العاقل كالعدل بمعنى العادل ، فعلى هذا التقدير والتأويل يكون روح النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - هو المخلوق الأول ، ولكنه بهذه الاعتبارات ملك وعقل ونور وقلم ، فالقلم قريب المعنى من العقل ، قال اللّه تعالى : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [ العلق : 4 ] جاء في التفسير عن بعضهم : أي بالعقل ؛ لأن الأشياء تعلم بالعقل . لطيفة : وفي قوله للعقل : أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ، إشارة إلى أن للعقل إقبالا وإدبارا ، فورث إقباله المقبلون وهم صنفان ؛ السابقون المقربون من الأنبياء والأولياء وهم أصحاب الميمنة ، وهم أهل الجنة . وورث إدباره المدبرون وهم أصحاب المشأمة ، وهم أهل النار . يدل عليه قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 ) [ الواقعة : 7 ] الآية . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2005 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . ( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .