عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
234
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] وقد وجدت في ضمن هذه الآية إشارة إلى بشارة قد اختصت بها هذه الأمة وهي مقام المحبة والمحبوبية الذي من اللّه تعالى على نبيه - صلّى اللّه عليه وسلم - وقوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ولهذا قال تعالى فيهم : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 110 ] . ومع عظم شأنهم جعلهم للعزة طرائق قددا . وأقول مناجيا ولكرمه راجيا : يا من أنشأ شجرة العالم وأثمرها بثمار بني آدم واختار منهم محمدا المصطفى وجعله مجتبى مجتنى ، على أنه جعل أمته التي كانت خير أمة طرائق قددا ، وجعل الناجي من حملهم أحدا والباقون وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً [ البقرة : 109 ] فافترقوا بددا فتاهموا في تيه الجهالة وتمادوا في الغي والضلالة سدى ، ولم ينالوا من أمرهم رشدا . لقد خبئت مفاتيح قلوبهم في خزانة الغيب . لا يعلمها إلا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا . إلهنا اهدنا الصراط المستقيم وثبتنا على دينك القويم في متابعة سيد المرسلين وخاتم النبيين صلى اللّه عليه وعلى آله أجمعين . ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك . وأفرغ علينا سجال فضلك وخذنا بك عنا وامنن علينا بجود وجودك منا مستغرقين في بحر فضلك ونوالك بدوام تجلي جمالك وجلالك يا إله العالمين وخير الناصرين ، برحمتك يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين . الحمد للّه الذي وفقنا لإنجاز ما وعدنا في إتمام كتاب منارات السائرين إلى اللّه ومقامات الطائرين باللّه . فمن أمعن النظر وأنعم الفكر ووفق لكشف أسراره ومعانيه ونشر ما في مطاويه ولم تردعه العصبية والدخيلة الردية ، أنصف واعترف بأني وإن كنت من المتأخرين لآت بما لم يأت به أحد من المتقدمين تصحيحا لقول النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - : « أمتي كالمطر لا يدرى أولهم خيرا أم آخرهم » « 1 » . ولا يعلم قدر ما أودعت فيه إلا العلماء باللّه والراسخون في العلم الذين هم أوتاد الأرض وعمد السماء الذين هم أقطابا للعالم وحجج اللّه على الخلق - عليهم سلام اللّه ورحمته وبركاته - . وأقول كما قال اللّه تعالى : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ( 19 ) [ المزمّل : 19 ] على
--> ( 1 ) رواه الترمذي بلفظ : « مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره » ، كتاب الأمثال ، باب مثل الصلوات الخمس ، حديث رقم ( 2869 ) . ورواه الطبراني في المعجم الأوسط ، من اسمه سيف ، حديث رقم ( 3660 ) [ ج 4 ص 78 ] . ورواه الشهاب في مسنده ، باب مثل أمتي مثل المطر ، حديث رقم ( 1349 ) ، [ ج 2 ص 276 ] . ورواه غيرهم .