عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

233

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

أحوالهم ، كمن مثله في الظلمات ، أي كمن بقي في ظلمات الشجرة الإنسانية ليس بخارج منها لا بزهرية المؤمنية ولا بثمارية الولاية والنبوة . تفهم إن شاء اللّه تعالى وتنتفع به . فمن داومت بهذه الصفة خلوته لازمت سلوته ، وبعلاج الذكر انقطعت عنه مواد الآفات والفتن وارتفعت الحجب وانكشفت الغيوم عن شموس شواهد الحق وشاهدت مشاهد الصدق ، ثم دارت كؤوس المشاهدات ، وسرى في العروق والأعصاب شراب المكاشفات وتساكر حلاج القلب وتظاهر تغريده أنا الحق . وترادف هل من مزيد أبي يزيد الروح وتصاعدت منه صعداء سبحاني ثم تجلى ربه بجبل النفس وجعله دكا وخر موسى القلب صعقا ، سكرانا من سطوة روائح الشراب الطهور الذي سقاه ربه . فلما أفاق من السكر قال أداء للشكر بدل سبحاني : سبحانك إني تبت إليك من أنانيتي التي اقتضت تجاسر أرني أنظر إليك وأنا أول المؤمنين ، الذين عرفوا وآمنوا بنور جمالك أن سلطان جلالك لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار وبإدراكه إياها يطهرك عن لوث الحدوث وينورها بنور القدم ، وتوجه مرآة القلوب المصقولة المطهرة ، المنورة بنور القدم ، الناظرة عن وصمة الأنانية إلى جمال الربوبية بتجلي جلال الألوهية فيكون وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة . فهذه جملة ما سمح به الوقت وسنح لي من الوقت . فيما التمسه الطلبة مني واقترح علي الأصحاب . جمعته وألفته : تذكرة لأولي الألباب . وهي الفرائض المكتوبة على مدعي الطلب والسنن المرغوبة لذوي الرغائب وأهل الرتب ، فمن غلب سلب صفات مكارم الأخلاق . ولكن لعمري . صلاة مكارم الأخلاق فرض * وما غير الأذان على بلال ولكن لعمري . إنه لم يختصني من هذا الكتاب إلا أولو الألباب الذي لهم صدق شامل وعشق كامل ولا يتفطن لدقائقه وحقائقه إلا من أوتي قريحة ذكية ونفسا زكية ونية صالحة مرضية ونية خالية بعد إمعان النظر وجولان الفكر ولا ينقطع به من كانت همته اصطياد الناس لشبكة مظنوناته وفخ مكنوناته ولا من تهمته السمعة والرياء ليرى نفسه بأنه معدن هذه العلوم ومنبع هذه الحكم ، بل يكون سببا لخسرانه ومظنة لنقصانه . كما قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [ الأنعام : 93 ] إلا من كان جل مطلبه منه درك حقائق علوم القوم بالاقتداء بهم في السلوك والاهتداء . كما قال تعالى لحبيبه ونبيه - صلّى اللّه عليه وسلم - : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ليعلم أنه ما بلغ أحد مرتبة الاهتداء إلا بالاقتداء