عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
232
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا وسابعها : التوجه إلى اللّه بكلية وجوده ، وهو الخروج عن كل داعية تدعوه إلى غير الحق كما هو بالموت ، فلا يبقى له مطلوب ولا محبوب ولا مقصود ولا مقصد إلا اللّه ، ولو عرض عليه مقامات جميع الأنبياء والمرسلين ، لا يلتفت إليها بالإعراض عن اللّه لحظة ، قال الجنيد : لو أقبل صدّيق على اللّه ألف سنة ، ثم أعرض عنه لحظة ، فإن ما فاته أكثر مما ناله . وثامنها : الصبر ، وهو الخروج عن حظوظ النفس بالمجاهدة والمكابدة ، كما هو بالموت ، والثبات على فطامها عن مألوفاتها ومحبوباتها لتزكيتها ، وخمود شهواتها والاستقامة على الطريقة المثلى لتصفية القلب وتحلية الروح . قال اللّه تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) [ السجدة : 24 ] . وتاسعها : المراقبة . وهي الخروج عن حوله وقوته ، كما هو بالموت مراقبا لمواهب الحق متعرضا لنفخات ألطافه معرضا عما سواه مستغرقا في بحر هواه ، مشتاقا إلى لقياه ، إليه قلبه يحن ولديه روحه يئن ، به يستعين عليه ومنه يستغيث إليه حتى يفتح اللّه باب رحمة لا ممسك لها ويغلق عليه باب عذاب لا مفتح له . فبنور سطع من رحمة اللّه على النفس تزول ظلمة أمارية النفس في لحظة ما لا يزول بثلاثين سنة بالمجاهدات والرياضات . كما قال تعالى : إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [ يوسف : 53 ] وهم الأخيار بل يبدل سيئات النفس بحسنات الروح . لقوله تعالى : يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ [ الفرقان : 25 ] أي سيئات المقربين بحسنات ألطافه . كقوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] فهذه الزيادة حسنات ألطاف الحق . و ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ * [ المائدة : 54 ] . وعاشرها : الرضا وهو الخروج عن رضا نفسه بالدخول في رضاء اللّه بالتسليم لأحكامه الأزلية والتفويض إلى تدبيره الأبدي بلا أعراض ولا اعتراض كما هو بالموت كما قال بعضهم : وكلت للمحبوب أمري كله ، فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا . فمن يموت بإرادته عن هذه الأوصاف الظلمانية يحييه اللّه بنور عنايته كما قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] أي من كان ميتا عن أوصافه الظلمانية في الشجرة الإنسانية أحييناه بأوصافنا الربانية وجعلنا له نورا من أنوار جمالنا يمشي به ، أي بذلك النور . كقوله : بي يمشي في الناس ، أي في سرائر الناس ، يمشي بالفراسة ويشاهد