عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
214
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
أبا سعيد بن أبي الخير ، فذكر القوال بيتا ، فصعق بعض الفقراء وقام وقعد ميتا فشاهد السيد تلك الواقعة فقال : يمكن أن يكذب الرجل في حالته ولا يمكن أن يكذب في موته . فهذه الحكايات المشهورة تعرفك أن سماع القوم ليس هو مما ينسب إلى اللهو واللعب ، فإنهم يسمعون من حيث سماع التوحيد بحق ، لا بحظ فهم بين استتار يوجب التلهية أو تجل يورث الترويج أو خطاب يقتضي الاشتياق أو غياب يزيد في الإحراق ، فتارة يخاطبهم الحق بأشعارهم فيختطفهم عن أذكار ستورا ، فتارة يتضرعون بين يدي الحق بأحوالهم وتارة بأموالهم ، فيملأ قلوبهم سرورا وحبورا . وأما المقدمة الثانية : وهي أن كل لهو حرام إلا ما صح جوازه عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فهي صادقة ، وإن كان فيها تطويلا أن السماع الذي يتعلق باللهو قد ثبت جوازه عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - . فإن حديث عائشة أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان وتدففان وتضربان والنبي - صلى اللّه عليه وسلم - متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي - صلى اللّه عليه وسلم - عن وجهه وقال : دعهما . حديث ثابت متفق على صحته أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما . وروي عن عروة بن الزبير قال : قالت عائشة - رضي اللّه عنها - لقد رأيت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد بالدرق والحراب ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو . وهذا أيضا مما اتفقا على تخريجه ، وهذه الأحاديث مما قد خرجنا في كتابنا الموسوم بزبدة العوالي وحلية الأمالي ، فصح إباحة النظر إلى اللهو وإباحة الرقص فإنه لا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب ، وإباحة اللعب في المسجد وإباحة نظر النسوان إلى الرجال المشتغلين باللهو واللعب فإذا ثبت جواز هذه الأشياء ثبت أن السماع مباح وإن كان مقرونا باللهو واللعب شرعا إذا لم يقترن بمحظور شرعي ، أو ما يؤدي إلى محظور شرعي واللّه أعلم . أما ما يتعلق بالمحققين من المشايخ . فقد نقل عن بعضهم : إنكار السماع ومنهم المريدين عن الاشتغال به . وعن بعضهم تجويز السماع بل الاشتغال به والتروي عن مشاربه وإذا تأملت في أقوالهم وكشفت الغطاء عن أحوالهم . وجدتهم متفقين على الحقيقة غير مختلفين إلا في الظاهر . وإنما تطرق الاختلاف في أقوالهم لا في صورة معينة تريك وجه التناقص ولكن في صورة مختلفة ، وأقوال متباينة ومقامات متباعدة ، وإذا اختلفت الأحوال زال التناقض من الأقوال . ومما يدلك على هذا اتفاق شافعيهم