عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

215

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وحنفيهم على إثبات السماع واجتماعهم في مجالس السماع . حكى الشيخ أبو نصر السراج في اللمع قال : سمعت أبا الحسين علي بن محمد الصيرفي قال : سمعت رويما وقد سئل عن المشايخ الذين لقيهم ، كيف كان يجدهم في وقت السماع ؟ فقال : مثل قطيع الغنم إذا وقع في وسطها الذئب . وقال سمعت الوجيهي يقول : سمعت الطراس القواري بمصر يقول : دخلت على إسرافيل أستاذ ذي النون وهو جالس وينكث بإصبعه على الأرض ويترنم مع نفسه بشيء فلما رآني قال : تحسن تقول شيئا ، قلت : لا ، قال : أنت بلا قلب . [ المنع ودلائلها ] فمن منع منهم المريدين عن السماع وأنكر عليهم الاجتماع بالسماع فلفوائد ، منها : أن المريدين في شرح إرادتهم وعزة طلبهم قد غلبت عليهم الصفات النفسانية والأهواء المختلفة . وكذلك احتاجوا إلى المجاهدة والرياضات الشاقة ، فخافوا عليهم إثارة فتنة قد أماتوها ، وتهيج داعية قد قيدوها وتذكر شهوة قد نسوها ، والنزاع إلى معشوقة قد فارقوها ، والتحنن إلى بلاد قد رحلوا عنها . سئل الشبلي عن السماع فقال : ظاهره فتنة وباطنه عبرة فمن عرف الإشارة حل له استماع العبرة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية . وقال الجنيد : إذا رأيت المريد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة . ومنها : أنه ربما يقع المريد في آفات الرياء ، فيميل طبعه إلى قبول الخلق ويستحلي تقربهم إليه وتبركهم إلى وجده فيجره ذلك إلى تكلف في إظهار الوجد لا سيما وقد وجدوا رخصة في التواجد . فعلى ظن التواجد ، المحمود الذي هو التوجه إلى الحضرة باستمداد الحق ، والاستعانة به في نفي الصفات النفسانية والالتفات إلى الغير يوقعهم الشيطان في التواجد الذي هو نتيجة الرياء الصرف . حكي : أن أبا القاسم النصراباذي كان كثير الولع بالسماع فعوتب في ذلك فقال : نعم هو خير من أن تقعد وتغتاب . فقال له أبو عمر بن نجيد : هيهات يا أبا القاسم زلة في السماع خير من كذا وكذا سنة تغتاب الناس ، وذلك أن من مزلة السماع أنه يكذب على اللّه أنه وهب له شيئا وما وهب له . والكذب على اللّه من أقبح الزلات ، وكذلك قال أبو علي الدقاق وقرأ بين يديه : إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ * [ يونس : 69 ] قال : هو الصوفي إذا صاح في غير وقته . ومنها : أنه قلما يخلو مجلس سماع عمن لا يكون من جنسهم بل يكون من أرباب النفوس وأبناء الدنيا ، فربما لا تؤدى أحوالهم ، وتعود غائلة حضورهم إليهم فيشقى بهم جليسهم ومن شأنهم أن لا يشقى بهم جليسهم ولذلك قال الجنيد : السماع