عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

21

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وجود العالم بما فيه في الخلقية تبعا لهذه المعرفة فلا يدري أهي درة في صدف المحبة أو المحبة درة صدف المعرفة ، فإن المحبة بغير المعرفة لا يمكن وصولها ، وإن المعرفة بغير المحبة لا يمكن حصولها ، فلما أمعنت النظر وأتقنت الفكر كوشف لي أن المعرفة صدف درة المحبة ؛ لأن المحبة من صفات اللّه تعالى ، والمعرفة من صفة العبد ، ولهذا سبقت المحبة على المعرفة حيث قال : فأحببت أن أعرف ، فقد أضاف المحبة إلى نفسه ونسب المعرفة إلى غيره والمحبة قديمة والمعرفة حادثة ، والقديمة أولى بالدّرية ، والحادث أحرى بالصدفية ، وقد كشف القناع عن وجه هذا المعنى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن اللّه خلق آدم فتجلى فيه » « 1 » حيث قال : « إن اللّه خلق آدم على صورته » « 2 » أي على صفته ، فتحقق من هذا أن العالم صدف ودرته ، آدم - عليه السلام - وآدم صدفة ودرته ، محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وشخص محمد صدف وقلبه درته وقلبه صدف والمعرفة درته والمعرفة صدف والمحبة درته ، ولهذا سمي حبيب اللّه ، واختص بهذا الاسم دون سائر الخليقة من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين ، وهو المشار إليه بكفاية المحبة والمعرفة في قوله تعالى : « فأحببت أن أعرف » « 3 » والناس تبع له في نيل هذين المقامين ومن هنا كان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » « 4 » ويقول : « آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر » « 5 » ولواؤه هو المقام المحمود الذي خصه اللّه تعالى به من كمال المعرفة والمحبة ، وما بلغ إليه من سواه وهم تحت مقامه . ثم اعلم أن لكل نبي وولي تمتعا من مقام هذه المعرفة على قدر شهودهم الذي قدر اللّه لهم ، واستعدادهم في قبول الفيض الإلهي بلا واسطة حجاب ، ولا يبلغ السائر الصادق إلى هذه المرتبة السنية إلا بالعبور على مقامات النفس ، والقلب ، والسر ، والروح ، والخفي مؤيدا بالتأييد الإلهي كما يجيء شرحه في مواضعه إن

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) رواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب النهي عن ضرب الوجه ، حديث رقم ( 115 - 2612 ) طبعة دار الكتب العلمية بيروت . ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 8311 ) دار الكتب العلمية - بيروت . ورواه غيرهما . ( 3 ) أي في الحديث القدسي الذي سبق تخريجه . ( 4 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 / 604 ) تصوير بيروت ، وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم ( 32037 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . ( 5 ) رواه أحمد في المسند عن عبد اللّه بن عباس ، حديث رقم ( 2551 ) طبعة دار الكتب العلمية ، ورواه غيره .