عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

22

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

شاء اللّه تعالى . ثم السير يتبدل بالطير فالسير يكون في مقامات البشرية السفلية بالجذبة ، فالجذبة تبعده عن أنانيته وتقربه إلى هويته إلى أن تورث الجذبة المشاهدة ، فالمشاهدة أحضرته معه وغيبته عنه إلى أن تثمر المشاهدة المعاينة ، فالمعاينة تجمعه به وتفرقه عنه إلى أن ظهر بالعيان ، فالعيان يسحقه والعين يمحقه ، ثم يحق الحق ويزهق الباطل ، فيكاشف بأنوار غيب الغيب ، فيطالع أسرار ربوبية الملك والملكوت ، ويله حيران في تيه العظمة والجبروت ، حتى يتجلى له شمس الربوبية عن سماء العبودية ، فأشرقت أرض البشرية بنور ربها ، وترقى المقام إلى تلألأ أنوار الألوهية المستفادة من سر اللّه نور السماوات والأرض ، ثم هبت نفحات ألطاف الربوبية ، وانفتح في عين الشمس باب الهوية ، وانغمس فيه المنغمس ثم لا يسأل . شعر : قد كان ما كان سرا لا أبوح به * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر فاستضاءت الآفاق الجسدانية بضوء الشريعة ، وظهرت المشكاة النفسانية بلوامع الطريقة ، وتنورت الزجاجة القلبية بأنوار حقيقة الروحانية ، وأشرق المصباح الروحاني بنار نور الإلهية ، وبدت شجرة الوحدانية ونودي موسى السر من الشجرة : أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ القصص : 30 ] فانمحت الجهات ، وتلاشت الصور ، وانطمست الأبعاض وانعدمت الأجزاء ، وسطت عزة الوحدانية ، وتجلى نور الصمدانية الربانية ، فدك جبل الإنسانية وخر موسى الروحانية صعقا ، فاحترقت الغيرية بنار العينية ، وارتفعت الشركة وبقيت الوحدة متعززة برداء الكبرياء والعزة متزرة بإزار العلاء والعظمة ، وحده لا شريك له : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) [ القصص : 88 ] هذا أوان وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] هذا وقت وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) [ النّجم : 3 ] ألا وهو سر « كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع ويبصر وبي ينطق » ولعمري إن هذا حال من كوشف أسرار « كنت كنزا مخفيا » فلما كشف الغطاء وذهب الخفاء ورفع الخباء وطويت الأرض والسماء ظهر الخفاء ودام اللقاء ف ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) [ النّجم : 11 ] ولا القلب ما روى فرعى في رياض المعرفة وشرب من حياض المحبة وسقى بكأس الجمال شراب الجلال من بحر الوصال ، فاستراح من ضروب القيل والقال ، وكثرة السؤال وتغير الأحوال ، إذ تجافى عن المحاط المطلق المحيط به ، والغيب المحاط يحيط به غيب المحيط المطلق ، فتحقق له حقيقة أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [ فصّلت : 54 ] كما أقول : أبان الحق ليس به خفاء * وباح السر وانكشف الغطاء