عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

209

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

المواجيد الذين وجدوا في الباطن من السماع واردات وردت على قلوبهم فغيرت صفات قلوبهم وأدى ذلك التغير إلى الظاهر لكنهم ما فهموا شيئا ولا أدركوا كلاما . وهذا السمع أعني السمع الحقيقي الروحاني تبع لا محالة لحقيقة القلب إذ هو له بمنزلة الحاسة للقالب . فكما أن الشخص يسمع الكلام أو الصوت بواسطة الحاسة عمن يكون معه ، فإذا كان مع اللّه سمع من اللّه وإذا كان مع غيره سمع من ذلك الغير . فإذا سمع العبد كلاما أو صوتا وكان القلب مع اللّه سمعت حاسته ذلك الكلام أو الصوت من المتكلم أو الصامت وسمع القلب ذلك الكلام أو مراد اللّه تعالى منه إلى الحق ، ولذلك ربما يسمع شيئا ويفهم من ذلك الشيء شيئا آخر ، ويسمع هزلا ويفهم من ذلك الهزل جدا . قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزّمر : 18 ] . وقال بعض المشايخ : كنت أقرأ القرآن مرة وأسمع من نفسي فصار كأني أقرأ وأسمع من النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ثم صار وكأني أقرأ وأسمع من جبريل - عليه السلام - ثم صار كأني أقرأ وأسمع من اللّه . ثم اعلم أنه تختلف أحوال أشخاص الإنسان اختلافا ظاهرا ، فبعضهم من اتصف قلبه بصفات النفس وغلبت عليه آفات الشهوات ودواعي الهوى فانحط عن ذروة الإنسانية إلى حضيض البهيمة ، وبعضهم من اتصفت نفسه بالصفات القلبية فاستنارت بنور القلب واطمأنت في العبودية . قال اللّه تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) [ الفجر : 27 - 30 ] فدخولها في زمرة العباد هو اتصافها بصفات الأرواح التي من خصائصها العبودية ، وبعضهم من له منزلة من بين المنزلتين فيكون قلبه باقيا على فطرته الأولى ، لا هو تصرف في النفس تصرفا بينا يزيل به عنها حقائق الظلمة ولا تصرفت النفس فيه تصرفا بينا يزيل بها عنه حقائق النورانية ، فتارة تغلب النفس على قلبه وتارة يغلب القلب على نفسه . هذا هو حال أكثر المسلمين . فمن اتصف قلبه بصفات النفس فإن كان ذلك الاتصاف مبطلا حقيقة خاصية جوهره كما في الكفار فلا بد وأن يبطل فيه السمع والفقه اللذان من صفات كماله ، كما قال تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [ الأعراف : 179 ] الآية . وإن لم يكن ذلك الاتصاف مبطلا لحقيقة جوهره وذاتيات صفاته بل مغيرا لبعض صفاته ومبطلا لبعضها ، فإما أن يكون بحيث ان أبطل السمع الحقيقي أو لا يكون ، فإن لم يكن بحيث قد أبطلت سمعه الحقيقي وربما غامضه في السماع وارد حق أو فجأة خطاب عيني فيكون مخالفا لما اعتاده من طبائع الحيوانية ، فلم يحتمله