عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
210
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الروح الحيواني فيهلك بغتة ، فلا تستغربن ذلك ، فإن الأطباء قد اتفقوا على أن الفرح المفرط والغم المفرط مهلكان ، خصوصا إذا اعتريا القلب بغتة ، فإن لم يهلكه غير حاله إما بإنابة إلى اللّه تعالى ، أو بمرض وتبديل مزاج ، وإن كان ذلك الاتصاف أبطل حقيقة جوهره أو أبطل سمعه الحقيقي فلا يكون سمعه إلا على طفيل القالب وواسطة الحاسة ، فلو سمع القرآن فهم عنه أساطير الأولين ، ولو سمع شعرا فتخيل معناه إلى ما يقتضي هواه فيزيد سماعه في زندقته . قال ذو النون - رضي اللّه عنه - : السماع وارد حق جاء يزعج القلوب إلى ربها فمن أصغى إليه بحق تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق . لكنه مع هذا إن لم يكن ذلك الاتصاف مبطل ولو بعد حين ، وذلك إذا كان بدرقنة همة الشيخ . وأما من اتصفت نفسه بالصفات القلبية فيكون حاسة سمعه تبعا لحقيقة سمع قلبه ، فلا يستمع في الظاهر شيئا إلا وقد سمع فيه من القلب أشياء ، فتارة يسمع من مجرد الصوت حقائق الترغيب والتشويق ولطائف المخاطبات أو الترهيب والتخويف ومستلذات المعاتبات ، وتارة يسمع الكلمات فيسبق السمع الباطن السمع الظاهري فيغير مدرك الظاهر كما حكى الأستاذ في الرسالة أنه سمع أبو سلمان الدمشقي طوافا ينادي يا سعتر بري فسقط مغشيا عليه ، فلما أفاق سئل . فقال : حسبته يقول اسع ترى بري بربي . ويبلغ حاله إلى مرتبة لا يتوقف سماعه على إسماع شيء بالحس لا ينقطع سماعه من الغيب كما مر من حكاية الحصري كما لا تنقطع أبصاره ولا يزاحمه النظر الحسي فكذلك لا ينقطع سماعه ولا يزاحمه السمع الحسي . وأما من بقي في منزلة بين المنزلتين على غلبات صفات النفس وبقاء صفات القلب حتى يغلب تارة صفات نفسه فتوقعه في الفتنة ، وتارة تغلب صفات قلبه فتخرجه من الظلمات إلى النور خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً [ التوبة : 102 ] فإذا غلبت عليه صفات النفس يخاف عليه من السماع تهييج الشهوات وإثارة الآفات المستكنة ، والصادق في طلبه مقصور الهمة على قهر النفس وإحياء صفات القلب فيراعي أوقاته ويعالج باطنه بما يوافقه . حكى الأستاذ في الرسالة أنه كان ابن زيري من أصحاب الجنيد شيخا فاضلا فربما كان يحضر موضع سماع ، فإن استطابه فرش إزاره وجلس عليه وقال : الصوفي مع قلبه ، وإن لم يستطب قال : السماع لأرباب القلوب ومر وأخذ نعله . وأما الكلام في تحليل السماع وتحريمه فمنه ما يتعلق بالأحاديث والآثار ، ومنه ما يتعلق بأحكام المجتهدين من الأئمة ، ومنه ما يتعلق بإشارات المحققين من المشايخ