عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

205

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

مع العقلاء . وأن في قدرة اللّه تعالى لا فرق بين أن يسمع حيوانا أو جمادا أو معدوما كما أسمع النار بقوله : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] ، فلما أسمع اللّه تعالى الأرواح المعدومة خطاب ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [ فصّلت : 11 ] استفرغت عذوبة سماع الخطاب للأرواح . ارتاحوا للإتيان طوعا فقالوا : أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصّلت : 11 ] بخلاف تراب الأجساد الذي جاء جبريل إليه فقال : أجب ربك . فلما سمع الخطاب بواسطة جبريل - عليه السلام - لم تجد ذوق سماع الحق تعالى فلم يجبه بالطوع ، بل أقسم عليه واستعفى أن يقبض عنه قبضة حتى بعث اللّه عزرائيل إليه فقبض منه قبضة على كره منه ولو كان اللّه أسمع التراب خطابه بلا واسطة ، كما أسمع الأرواح لارتاح للإجابة طوعا ورغبة ، ألا ترى أن الذرات الترابية لما أخذها اللّه تعالى من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى . فلما أسمعها خطابه كيف ارتاحت الذرات والأرواح لعذوبة سماع الخطاب . وقالوا : طوعا ورغبة : بلى فالآن من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد إذا سمع قولا من القرآن أو شعرا بالألحان أو ضروبا بالأوزان أو معنى من العرفان يرتاح له ويذكره ذوق عذوبة ذلك السماع ويحدده شوق لذاذة ذلك الخطاب ، فيحركه بالتواجد ثم بالوجد ثم بالوجود . قيل : سمع الشبلي قائلا يقول : أسأل عن سلمى فهل من مخبر * يكون له علم بها أين تنزل فزعق وقال : لا واللّه ما في الدارين مخبر . وقيل : الوجد سر صفات الباطن كما أن الطاعة سر صفات الظاهر . وصفات الظاهر : الحركة والسكون وصفات الباطن : الأحوال والأخلاق . وقال شيخنا السعيد الشهيد شرف بن المؤيد البغدادي في كتابه تحفة البررة : إن اللّه تعالى كما خلق للإنسان قالبا وروحا ، فكذلك خلق لحواسه الخمس التي هي : السمع والبصر والذوق والشم واللمس قلبا وروحا ، فقالبه ما تعلق بالقالب ، وروحه ما تعلق بالقلب . ولما كان القالب في حيز الاشتراك مع البهائم والأنعام صارت صورة الحواس مشتركة بين الإنسان وغيره من الحيوان ، فللقالب المشترك حواس مشتركة وللقلب المخصوص بالإنسان روح الحواس المخصوص بالإنسان ، فمن ليس له من عالم الإنسانية غير حظ الحواس الظاهر وحرم حقيقة روح الحواس الظاهرة الذي هو حقيقة حواس الباطن فهو كالنعم والبهيمة . ومن خلق جهنم وذراها . قال الله تعالى : * ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن