عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

206

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغفلون ( 179 ) ( الأعراف : 179 ) فبالحواس الظاهرة تدرك عالم الجواهر والأعراف ، وبالحواس الحقيقة يدرك صورة حقائق الغيب قال تعالى في صفة الكفار : * ( وترئهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) * ( الأعراف : 198 ) يعني أنهم والله أعلم كانوا ينظرون إلى صورة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحواس الظاهرة . وما كانوا يبصرون صورة نبوته بالحس الحقيقي الروحاني قال الله تعالى : * ( إنهم عن السمع لمعزولون ( 212 ) ( الشعراء : 212 ) فلا شك أنهم كانوا معزولين عن حاسة السمع الظاهرة ، وكانوا معزولين عن السمع الحقيقي الروحاني ، الذي هو روح السمع الظاهرة وكانوا يسمعون القرآن من حيث قرع الأصوات المتموجة بالصماخ تموجا مخصوصا حرفيا ، فيحس بها الحاسة المتعينة المتموجة الظاهرة فيفهمون بها منه أساطير الأولين ولا يسمعونه بالسمع الحقيقي الذي هو روح السمع الظاهر ، إذ كانوا عنه معزولين ولا يسمعونه بالسمع الحقيقي الذي هو روح السمع الظاهر ، إذ كانوا عنه معزولين حتى يدركوا كلام الله سبحانه وتعالى فيؤمنوا به فما هو المعتبر من الحواس الحقيقة اعتبارا يعتد بها السمع والبصر قال الله تعالى في معرض الامتنان على العباد في مواضع القرآن العظيم * ( وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون ) * ( الملك : 23 ) فبدأ بالسمع ثم بغيره ، لأن الإحياء من السمع قال الله تعالى : * ( ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) * ( الزمر : 68 ) فكما أن الإحياء الذي يتعلق بالبشر ، إنما كان منشؤه من السمع وبه ، فكذلك إحياء القلوب الذي يتعلق بالنشأة الأخرى التي هي مبدأ ظهور آثار الحياة الطيبة التي ذكرها الله تعالى بقوله : * ( فلنحيينه حيوة طيبة ) * ( النحل : 97 ) انفتح السمع الحقيقي وزوال الصم الذي ذكره الله بقوله : صم بكم . فسمع العبد من حروف القرآن أو من غير ذلك الحروف المعينة المودعة بين الدفتين كلام الله تعالى ، فاشتاق إلى الحضرة وصبا إليها والأذن تعشق قبل العين أحيانا ، فانقذ نفسه من النار . قال الله تعالى : * ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحب السعي ) * ( الملك : 10 ) فإذن السمع ينقذ العبد من السعير والبصر يختطفه من الجنة ، وابتداء السير ه والممر على السعير ، قال الله تعالى : * ( وإن منك إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ( 71 ) ( مريم : 71 ) . وكذلك صارت مرتبة ذوي الأبصار فوق مرتبة ذوي السمع . ألا ترى أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان صاحب البصر . قال الله تعالى : * ( ما زاغ البصر وما طغى ( 17 ) ( النجم : 17 ) وموسى - عليه السلام - كان صاحب السمع . قال الله تعالى : * ( وكلم الله موسى تكليما ) * ( النساء : 164 ) وناهيك بموسى - عليه السلام - وسيرة إشارة إلى الابتداء