عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

202

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الشريعة من أهل الحقيقة تقيد بحقوق العبودية وحقيقة العبودية ، وصار مطالبا بأمور وزيادات لا يطالب بها من لم يصل إلى ذلك المقام لا أنه يخلع عن عنقه ربقة التكليف ويخامر باطنه الزيغ والتحريف . روى عن أبي محمد الجريري يقول : سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل : أهل المعرفة باللّه يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقوى إلى اللّه تعالى ، فقال الجنيد : إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة ، والذي يسرق ويزنى أحسن حالا من الذي يقول هذا ، وإن العارفين باللّه أخذوا الأعمال عن اللّه تعالى وإليه يرجعون فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها وإنها لآكد في معرفتي ولو قوي الحال . ومن أوصاف المشيخة أن يكون من أهل الولاية وإن لم يستأهل للاقتداء كل ولي لأن أهل الولاية على ثلاثة أقسام : ولي مجذوب غير متدارك بالسلوك وولي سالك غير متدارك بالجذبة ، وولي مجذوب متدارك بالسلوك . فالولي المجذوب الذي غير متدارك بالسلوك لا يصلح للمشيخة لأنه غير واقف على المقامات والآفات والقواطع وطريق إصلاح الأحوال فلا يصلح للاقتداء وإن صلح للاهتداء . فأما الولي السالك المتدارك بالجذبة . والولي المجذوب المتدارك بالسلوك فهما يستأهلان للمشيخة والاقتداء . ولكن المجذوب السالك أولى بالاقتداء ، لأنه أعلى مقاما وأقوى حالا من السالك المجذوب وذلك لأن الطريق إلى اللّه بنوعين اثنين : أحدهما : طريق من العبد إلى اللّه فهو ضلالة في ضلالة . وثانيهما : طريق من اللّه إلى العبد فهو هداية في هداية ، وهو طريق المجذوب . فإن سطوة الجذبة تخرق الحجب ويخترق في لحظة ما لا يندفع ولا يرتفع للسالك في سنين كثيرة بالمجاهدة والمكابدة ، ثم تحتجب الجذبة ويتدارك العبد بالسلوك مؤيدا بتأييد الجذبة ، فيستأنف السير بالمعاملة والشوق والمحبة ، ثم يتبدل السير بالطير ، ثم بهبوب الرياح المرسلة . ثم بلمعان البرق الخاطف إلى أن يبلغ أعلى عليين الروحانية وينقطع الطريق ويتعذر العبور ثم يتدارك السالك بالجذبة وتتخلص الجذبة عن الاحتجاب وتخطفه عنه تفنيه وتوصله إلى الحق وتبقيه به . فهذه حقيقة قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين » « 1 » . فإن عمل الثقلين لا يوصل السالك إلى الحق كما توصله

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1067 ) وأورده السهروردي في -