عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

201

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

مودعة في صحبة التراب وتربيتها بالماء والهواء والشمس ودهقنة الدهقان ونقصانها أيضا مودعة في صحبة التراب عند أعوان الماء أو أحد أسباب التربية فكذلك كمالية الروح ونقصانه مودعة في صحبة القالب . فإن وجد التربية بماء الإيمان ولواقح أعمال الشريعة وطلوع شمس العناية ودهقنة النبي أو الشيخ تكاملت شجرة العبودية وأثمرت ثمرات المعرفة والتوحيد . كما قال تعالى : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [ إبراهيم : 25 ] وإن عدم منه بعض أسباب التربية تناقص الروح والحس بصحبة القالب . نقصان النواة بصحبة التراب عند أعوان بعض أسباب التربية . كما قال تعالى : وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) [ العصر : 1 - 3 ] . [ صحبة الشيخ الكامل ] فمن أعظم أسباب التربية صحبة شيخ كامل واصل صاحب ولاية عالم بأركان الشريعة واقف على آداب الطريقة متحقق بدقائق الحقيقة مكاشف لأسرار السلوك محبب اللّه إلى عباده ومحبب عباد اللّه إلى اللّه داع إلى اللّه . قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حاكيا عن ربه : « إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت نعمته ولذته في ذكري . فإذا جعلت نعمته ولذته في ذكري عشقني وعشقته ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه لا يسهو إذا سهى الناس . أولئك كلامهم كلام الأنبياء أولئك الأبطال حقا أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ذكرتهم فصرفت ذلك عنهم » « 1 » . ولا يصحب أكثر مدعي أهل العصر المشيخة الذين ينسبون إلى البيوتات ويتشيخون بالآباء والأجداد وهم بمعزل عن رتبة المريدين الصادقين الطالبين من أرباب الرياضات وأصحاب السلوك المقتدين بالمشايخ والرجال البالغين فإنهم قطاع الطريق على الصادقين من الطلبة . ولا يصحب أيضا جماعة يسمون أنفسهم الملامتية والقليدرية والحيدرية والجريرية ، فإن الغالب على أكثرهم الإباحة والزندقة ، إلا من يشاء اللّه به خيرا ، والضابط في تمييز أهل الخير منهم ومن غيرهم إقامة الشريعة على قانون المتابعة والتأدب بآداب الطريقة على وفق سير المشايخ ، ومن ادعى أنه خلص مع اللّه تعالى ضميره ونال رتبة في الحقيقة أنه تنزه عن الشريعة وأن الارتسام بمراسم الشريعة رتبة العوام المنحصرين في مضيق الاقتداء تقليدا ، فاعلم أنه من أهل الإلحاد والزندقة والفلسفة والإباحة ، فاحذرهم إن صحبتهم وظلمه أنفاسهم سم قاتل لقلوب المبتدئين من المريدين ، ولم يعلم الجاهل المغرور أن الشريعة قشر لب الحقيقة واللب لا ينعقد ولا يتربى إلا بالاستمداد عن القشر ، وكل حقيقة ردتها الشريعة زندقة ، وان

--> ( 1 ) أورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب الأذكار ، الباب الأول ، حديث رقم ( 1868 ) .