عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
20
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الفصل الثاني في مقام المعرفة النظرية وهي معرفة الخواص وهم أهل البصائر والرؤية من أرباب القلوب السليمة الزكية فإنهم ينظرون من روزنة القلوب في ملكوت الأشياء ، كما قال اللّه تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 185 ) [ الأعراف : 185 ] فيرون الآيات المودعة في كل شيء فتدل الآيات على معرفة اللّه ووحدانيته كما قبل : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحد وإن القلب إذا سلم عن الآفات وأعرض عن الدنيا ، وأقبل إلى المولى وصقل بمصقل الذكر زالت عنه كدورات صفات البشرية وتنور بنور الذكر وهو كلمة : لا إله إلا اللّه ، وهي مركبة من نفي وإثبات فبنفيها تنفي شواغل القلب وظلماتها ، وبالإثبات تثبت شواهد أنوار المذكور فينكشف الغطاء عن بصر بصيرة القلب ، فيرى بها جمال آيات الحق تعالى كما قال اللّه تعالى : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) [ النّجم : 11 ] ومن هنا قال من قال : ما نظرت في شيء إلا ورأيت اللّه فيه ، فمعرفة العوام بدلائل المعقول ومعرفة الخواص بشواهد المدلول فأين من يعرف الحق تعالى بإرادة العقل ، ممن يعرفه الحق بإرادة آياته في مرآة الآفاق وقلبه كما قال اللّه تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصّلت : 53 ] . الفصل الثالث في مقام المعرفة الشهودية وهي معرفة أخص الخواص وهم أصحاب مشاهدات الجمال وأرباب مكاشفات الجلال ، الذين استخصهم اللّه بهذه السعادة واصطفاهم لهذه السيادة بلا هم ، وهم في كتم العدم محبوسون من عهد القدم ، وخياط القضاء بخياطة القدر ، وخيط المشيئة على حانوت الأزل بيد العناية وقوة القدرة ، وصناعة الحكمة كأن يخيط خلعة المعرفة على قدهم من ثوب قد نسج من سدى يحبهم ولحمة يحبونه ، كما قال اللّه تعالى : ( فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف ) « 1 » ، فكان
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .