عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
19
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
يريد ، وليس الأمر على ذلك فليست حركة العناصر من ذاتها فهي إذا من غيرها ، وكذلك حال المركبات من العناصر . فإن قال قائل : إن حركة العناصر إنما هي لطلبها المكان الذي يخصه ؛ لأنه هو المطلوب المتشوق إليه ، وكل مطلوب متشوق إليه فهو المحرك لطالبه فمن هذه الجهة أيضا محرك العناصر غيرها ، ويمكن أن نبين على هذه الجهة أن الحيوان إنما يتحرك بالشهوة أو بالكراهة ، أما بالشهوة فليدنو من المشتهى شوقا إليه ، وأما بالكراهة فليبعد من المكروه هربا منه ، فمحركه إذا غيره . ثم ننظر في هذا المحرك أيضا ، فإن لزمه نوع من أنواع الحركة لزم فيه ما لزم في المتحرك الأول ، ولا يزال كذلك إلى أن ينتهي إلى محرك لا يتحرك بنوع من أنواع الحركة ، وهو مبدأ أو علة لوجود جميع الأشياء ، وبه قوام كل جوهر ووجود كل موجود . وإذا تبين ذلك فقد علم أن الوجود في جميع الأشياء بالعرض وهو في المبدع الأول بالذات ، وقد اجتمعت العلماء والحكماء على أن كل ما يوجد في شيء ما بالعرض فهو في شيء آخر بالذات ، وذلك أن العرض في الشيء أثر ، والأثر حركة ولا بد له من مؤثر فقط ، فالوجود إذا ذات المبدع الأول الواحد الصمد جل جلاله ؛ لأنه لم يقبله من غيره ، ومن قبله جميع الأشياء التي دونه ، وبه قوام صور الموجودات . وإذا كان الوجود فيه كما قلنا ذاتيا فليس يجوز أن يتوهم معدوما . فهو واجب الوجود وما كان واجب الوجود فهو دائم الوجود ، وما كان دائم الوجود فهو أزلي وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يتوهم شيء من أنواع الموجودات لم يكن وجوده منه ، لأنه عز وجل الذي فاض به وأعطاه ما دونه فهو إذا من الوجود في أعلى رتبة ووجودات سائر الأشياء كلها فائضة عنه ومستفادة منه وبيان أنه تعالى واحد أنه لو كان الفاعلون أكثر من واحد للزم أن يكونوا مركبين وذلك أنهم اشتركوا في أنهم فاعلون واختلفوا بالذوات ، ولا بد أن يكون الشيء الذي به خالف أحدهم الآخر غير ما وافقه به ، فيجب من ذلك أن يكون كل واحد منهم مركبا من جوهر وفصل ، والتركيب حركة ؛ لأنه أثر ولا بد له من مؤثر على ما تبين من قبل ، فيجب من ذلك أن يكون للفاعل فاعل ، وهذا يمر بلا نهاية فالبضرورة يرتقي إلى فاعل واحد يفعل بعض أفعاله بذاته وبعضها بتوسط أشياء من مفعولاته . واللّه أعلم .