عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

18

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الأشياء دلالة عليه وهو أن أحد الأصول المبنية للعقل التي قال بها من اتبع الحق إنه لا يحدث شيء من الأشياء من غير علة ولا يتحرك متحرك إلا عن محرك له سواه ، وذلك أن لكل جسم طبيعي حركة تخصه ، وذلك أن الجسم ما كان منه موجودا وما كان منه متكونا وإنما قوامه بصورته الخاصة التي هي به ، وصورته الخاصة هي المقومة لذاته هي طبيعته وطبيعة مبدأ الحركة الخاصة به ، وحركته الخاصة به هي التي تحركه إلى تمامه ، وتمام كل شيء هو ما لائمه ووافقه وكذلك كل متحرك يتحرك إلى تمامه وإلى ما يوافقه ، ولهذا قيل : إن كل متحرك يتحرك إلى تمامه فهو بالشوق والذي يشتاق فهو معلول مما يشتاق إليه والعلة تتقدم على المعلول بالطبع ، فلذلك صار الاستدلال بالحركة أظهر الأشياء وأولاها بالدلالة على الصانع عز وجل . ونعود فنقول إن الحركة المطابقة للأجسام الطبيعية هي ست : حركة الكون ، والفساد ، والنمو ، والنقصان ، والاستحالة ، والنقلة . وذلك أن للحركة نقلا وتبدلا ما ، والتبدل في جسم إذا كان طبيعيا لا يخلو من أن يكون عرضا إما بمكانه ، وإما بكيفيته وإما بجوهره . وأما التبدل بالمكان فإما أن يكون بكله أو بجزئه ، فإن كان بكله كانت حركته مستقيمة ، وإن تبدل بجزئه كانت حركته مستديرة ، ونفرض للمستدير أن يتحرك أيضا إما من محيطه إلى مركزه وإما من مركزه إلى محيطه ، فإن تحرك من مركزه إلى محيطه كانت حركته نموا ، وإن تحرك من محيطه إلى مركزه كانت حركته نقصانا ، وأما المتبدل بالكيفية فليس يخلو إما أن يحفظ جوهره أو لا يحفظ ، فإن حفظ جوهره كانت حركته استحالة ، وإن لم يحفظ جوهره كانت حركته فسادا ، وهذه الحركة الأخيرة إذا نظر إليها بقي إلى جوهره الثاني ، أعني ما استحال إليه سميت كونا ، ثم نقول : إن لكل متحرك بحركة من أنواع الحركات محركا سواه ، وإن محرك جميع الأشياء غير متحرك وأنه علة تمامها وعلة حركتها ، وذلك لأن كل متحرك تحرك بغير محرك فذلك المتحرك لا يخلو من أن يكون حيا أو غير حي ، فإن كان حيا وادعى مدع أن حركته من ذاته لا من غيره ، قلنا له : لو كان كذلك لكنا إذا نزعنا جزءا من أجزائه الشريفة بقيت حركة الحي وحركة الجزء المنتزع جميعا ، وليس الأمر كذلك بل هو بالضد ، فليس إذا ذات جوهر الحي هو المحرك بل غيره ، وإن كان المحرك غير حي فهو إما نبات وإما جماد ، فإن كان نباتا فيلزم في حركته ما يلزم من حركة الحي أيضا ، وإن كان جمادا فإنه إما أن يكون أحد العناصر الأربعة أو واحدا من مركباتها ، فإن كان أحد العناصر لزم فيه إن كانت حركته من ذاته ألا يقف إذا بلغ موضعه الخاص به إذا انتهى إليه ، وإن وقف فيه لزم أن يقف في غيره كما يقف الحيوان حيث