عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
175
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
أصابه ذلك النور فقد هدي إلى الإرادة أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزّمر : 22 ] . ثم من إمارات الإرادة ما قاله أبو علي الدقاق : الإرادة لوعة في الفؤاد ، لذعة في القلب ، غرام في الضمير ، انزعاج في الباطن نيران تأجج في القلوب . ومن إمارة صدق الإرادة أن يشاهد المريد بنور الإرادة جمال ولاية مراده وهو شيخه ، فيعشقه . ومن إمارة عشقه أن ينسلخ من إرادة نفسه بالكلية فيكون مريد مراد مراده فلا يخالفه في شيء مما أمره به ، كما حكي عن حال أحمد بن أبي الحواري مع أبي سليمان الدارني ، كان بين أحمد وبينه عقد لا يخالفه فيما يأمر فجاءه أحمد يوما وهو يتكلم في مجلسه ، وقال : إن التنور قد سجر فما تأمر ؟ فلم يجبه . فقال مرتين وثلاثة . فقال أبو سليمان : اذهب فاقعد فيه كأنه ضاق به صدره . فقال : وتغافل أبو سليمان ساعة ثم ذكر . فقال : اطلبوا أحمد فإنه في التنور ، لأنه على عقد أن لا يخالفني . فنظروا فإذا هو في التنور لم يحترق منه شعرة . فهذه تحقق صدق الإرادة التي من مواهب الحق تعالى ثم تقول إن القوم قد عدوا المواهب من الأحوال والمكاسب من المقامات . ولكنا وجدنا فرقا دقيقا بين المواهب المقاماتية والمواهب الأحوالية . فالمواهب المقاماتية ما خص اللّه تعالى به خواص عباده في بداية الفطرة من رشاش النور وإصابته وذلك بمثابة البذر فبالتربية وهي الكسب يبلغ مبلغ كماله كما قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا استعمله » « 1 » . فإرادة اللّه بالعبد الخير موهبة منه ، والاستعمال هو كسب العبد وهو تربية بذر الإرادة ، يبلغ المريد بها مقام المرادية ، وأما المواهب الأحوالية ما وهبه اللّه في أثناء السلوك ونهايته من الشواهد والبواده والواردات والكشوف وأمثالها . فلهذا الفرق جعلنا المواهب المقاماتية من مقامات الروح لمدخل الكسب فيها ، ولأن الروح مورد المواهب أولا تسري آثارها إلى القلب ومنه إلى النفس ومنها إلى البدن فمنهما تصل إلى القلب تنشأ فيه أخلاق كريمة وأحوال سنية وإذا سرت إلى النفس تبدل صفاتها الذميمة بالصفات الحميدة . وإذا سرت إلى البدن تظهر عليه الطاعات والعبادات ثم تنور الطاعات والعبادات بتنور الصفات والأخلاق ، وتصفو الأحوال وتزداد المواهب إلى أن يصير المريد مرادا للحق تعالى وللخلق . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .