عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

176

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ومنها الاستقامة : قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصّلت : 30 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « استقيموا ولن تحصوا » « 1 » . وقال : « لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، ولا يستقيم لسانه حتى تستقيم جوارحه ، ولا تستقيم جوارحه حتى تستقيم أعماله » « 2 » . اعلم أن الاستقامة من خصائص الروح . قال اللّه تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) [ التّين : 4 ] أي : الروح الإنساني والاعوجاج من خاصية النفس . قال اللّه تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] والقلب خلق متوسطا بينهما بين إصبعي اللطف والقهر قابلا لكلتا الصفتين . فإن أيد الروح بالإيمان وروح من اللّه يبقى على استقامته ويتنور القلب بنور الإيمان ويستقيم به . قال اللّه تعالى : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ المجادلة : 22 ] وقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه » « 3 » . الحديث . وإن وكلت النفس إلى اعوجاجها تعدى عوجها إلى القلب فيتصف بصفاتها . اعلم أن الشرع قد نزل لتقويم عوج النفس واستقامة جميع الأركان الظاهرة والباطنة على ما هو المستحق به كما أمر . قال تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] ليخرج عن ظلمة ما طبع عليه إلى نور ما أمر به ، فإن الخلق خلق في ظلمة الطبع ثم رش عليهم من نور الشرع . قال تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] . فاستقامة اللسان في تحري الصدق ، وترك الكذب والغيبة والبهتان والنميمة والفحش والرفث وما لا يعنيه في ملازمة الذكر . واستقامة كل عضو من الأعضاء في استعماله بإتيان ما أمر به ، وانتهائه إلى مأموريتها بالخير واطمئنانها إلى ذكر اللّه ، وعبوديته ، وتبدل صفاتها الذميمة بالأخلاق الحميدة . واستقامة القلب في توجهه إلى اللّه وإعراضه عما سواه وخلوه عن الأغيار وتوكله عليه وتعرضه لنفحات ألطافه قابلا للفيض الإلهي وكشف الأسرار وشواهد الأنوار .

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك كتاب الطهارة ، حديث رقم ( 447 ) ورواه ابن ماجة في سننه ، كتاب الطهارة ، باب المحافظة على الوضوء ، حديث رقم ( 277 ) ورواه غيرهما . ( 2 و 3 ) رواه أحمد في المسند عن أنس بن مالك حديث رقم ( 13053 ) ورواه الطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 10553 ) [ ج 10 ص 227 ] ورواه غيرهما .