عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

174

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ملكها وملكوتها كما مر شرحها في حديث جابر وحديث المعراج واللّه أعلم . الفصل الثاني في مقامات الروح فمنها : الإرادة : قال اللّه تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا استعمله » فقيل له : كيف يستعمله يا رسول اللّه ؟ قال : « يوفقه للعمل الصالح قبل الموت » « 1 » . اعلم أن المشايخ تكلموا في بيان الإرادة على ما فتح اللّه لهم وسانحهم الوقت به ، وأكثرهم أخبروا عن إمارات الإرادة وموجباتها ومقتضياتها لا عن حقيقة الإرادة وماهيتها . حتى قالوا : « الإرادة ترك ما عليه العادة ، وعادة الناس في الغالب التعريج في أوطان الغفلة والركون إلى اتباع الشهوة والاختلاف إلى ما دعت إليه المنية . فالمريد ينسلخ عن هذه الجملة فصار خروجه إمارة ودلالة على صحة الإرادة . فيسمى تلك الحال إرادة ، وهي خروج عن العادة فهي إمارة الإرادة . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : فأما حقيقة الإرادة فهي نهوض القلب في طلب الحق تعالى . ولهذا قال إنها لوعة تهون كل روعة قلت : وهذا أيضا إمارة الإرادة لا حقيقتها . فأما حقيقة الإرادة : فهي صفات من صفات اللّه تعالى ، القديمة الأزلية الأبدية القائمة بذاته تعالى . فلما خلق اللّه الروح جعله قابلا لعكس صفاته خلافة عنه . ولما خلق النفس جعلها قابلة لعكس صفات الروح خلافة عنه ، فمن غلبت نفسه روحه كانت إرادته إلى الدنيا وما فيها ، ومن غلب روحه نفسه كانت إرادته أخراوية . كما قال تعالى : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [ آل عمران : 152 ] فلا تتجاوز الإرادة الإنسانية عن هاتين المرتبتين إذا وكلت إلى طبعها . فأما الإرادة الحقيقية التي تنزهت عن الدنيا والآخرة فهي تريد وجه اللّه تعالى فحسب . كما قال تعالى : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) [ الإنسان : 9 ] أي : جزاء في الدنيا وشكورا في الآخرة . وقال : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] فهي نور من أنوار جماله تجلى به لأرواح خواص عباده يوم خلق اللّه الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره . فمن

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب النهي عن البصاق في المسجد ، ورواه الحاكم في المستدرك ، كتاب المغازي والسرايا ، حديث رقم ( 4327 ) .